هذا التناقض قد يجعله يتساءل: لماذا أفعل شيئًا أعرف أنه يؤذيني؟ هل أفتقر إلى قوة الإرادة؟ هل أنا أختار معاناتي بنفسي؟ أم أن هناك أسبابًا نفسية أعمق تجعل التوقف أصعب مما يبدو؟
الحقيقة أن معرفة الضرر لا تعني بالضرورة القدرة على مقاومة السلوك. فالإنسان لا يتصرف دائمًا وفق ما يعرفه، بل يتأثر أيضًا بمشاعره واحتياجاته وعاداته وطريقة استجابته للضغط. وفهم هذه العوامل يساعدنا على الانتقال من لوم النفس إلى فهم ما يحافظ على السلوك، ثم العمل على تغييره بطريقة أكثر واقعية.
في هذا المقال، نستكشف لماذا يكرر الإنسان الأفعال المؤذية رغم وعيه بعواقبها، وكيف تتشكل هذه الدائرة نفسيًا، ومتى تكون جزءًا من عادات يمكن تعديلها، ومتى تستدعي تقييمًا نفسيًا متخصصًا.
لماذا يكرر الإنسان السلوك المؤذي رغم معرفته بعواقبه؟
يكرر الإنسان السلوك المؤذي عندما تمنحه ممارسته فائدة نفسية فورية، حتى لو كانت عواقبه طويلة المدى سلبية. قد يخفف القلق مؤقتًا، أو يقلل الشعور بالوحدة، أو يمنح إحساسًا بالسيطرة أو الراحة. ومع تكرار التجربة، يمكن أن يتحول السلوك إلى استجابة تلقائية يصعب تغييرها بمجرد اتخاذ قرار واعٍ بالتوقف.
لفهم ذلك، من المهم التمييز بين معرفة أن الفعل ضار، والقدرة على مقاومة الرغبة فيه، وامتلاك بدائل تساعد على تلبية الاحتياج النفسي الذي يقف وراءه.
الراحة المؤقتة قد تكون أقوى من الضرر المتوقع
لنفترض أن شخصًا يشعر بالتوتر كلما واجه مشكلة في العمل. بدلًا من التعامل معها، يبدأ في تصفح هاتفه لساعات. يعرف أن هذا السلوك يؤخر مهامه ويزيد شعوره بالضغط لاحقًا، لكنه يشعر بالراحة بمجرد الابتعاد عن المشكلة.
هنا يحدث ما يُعرف في علم النفس بالتعزيز السلبي (Negative Reinforcement). والمقصود به أن السلوك يصبح أكثر احتمالًا للتكرار لأنه يخفف شعورًا مزعجًا، مثل القلق أو الحزن أو التوتر. كلمة «سلبي» هنا لا تعني أن السلوك سيئ أخلاقيًا، بل تعني إزالة شيء غير مرغوب فيه.
قد يحدث الأمر نفسه عندما ينسحب شخص من نقاش صعب، أو يتجنب مواجهة مشكلة، أو يعود إلى علاقة يعرف أنها تستنزفه لأنه يخشى الوحدة. في كل مرة يخف فيها الألم مؤقتًا، يتعلم العقل أن هذا السلوك وسيلة سريعة للراحة، حتى لو كان يزيد المشكلة على المدى البعيد.
أحيانًا لا يستمر الإنسان في السلوك لأنه يستمتع بضرره، بل لأنه يحاول الهروب من شعور لا يعرف كيف يتعامل معه بطريقة أخرى.
قوة العادة وتأثير المواقف المتكررة
بعض السلوكيات لا تحتاج إلى قرار واعٍ في كل مرة. فالعقل يتعلم الربط بين مواقف معينة واستجابات مألوفة، ومع التكرار تصبح الاستجابة أسرع وأقل اعتمادًا على التفكير المتعمد.
قد يعتاد شخص تناول الطعام عند الشعور بالملل، أو فتح الهاتف بمجرد الاستيقاظ، أو رفع صوته عند الشعور بأنه غير مسموع. وبمرور الوقت، قد يكفي ظهور الموقف المحفز حتى يبدأ السلوك قبل أن يفكر الشخص في نتائجه.
توضح مراجعة علمية بعنوان «سيكولوجية العادة» (Psychology of Habit) أن السلوكيات المعتادة ترتبط بالسياقات المتكررة، وأن العادات قد تعمل إلى جانب الأهداف الواعية، وأحيانًا تتغلب عليها في المواقف المألوفة. وهذا يساعد على تفسير لماذا لا يكفي اتخاذ قرار بالتغيير إذا ظلت البيئة والمحفزات والاستجابات القديمة كما هي.
PubMed+1
ما العوامل النفسية التي تجعل التوقف صعبًا؟
تنظيم المشاعر بطريقة غير فعالة
قد لا يكون السلوك المؤذي هو المشكلة الوحيدة، بل الوسيلة التي تعلم الشخص استخدامها للتعامل مع مشاعره. فمن لم يتعلم التعبير عن الغضب بطريقة آمنة، أو تحمّل القلق دون الهروب منه، قد يلجأ إلى الصراخ أو الانسحاب أو الاندفاع أو سلوكيات أخرى تخفف توتره مؤقتًا.
على سبيل المثال، قد يرسل شخص رسائل متكررة إلى شريكه عند الخوف من فقدانه، رغم إدراكه أن ذلك يسبب خلافات متكررة. إذا كان هذا السلوك مرتبطًا بقلق شديد من الرفض، فقد لا يكون التحدي الحقيقي هو الامتناع عن إرسال الرسائل فقط، بل تعلم التعامل مع الخوف الذي يسبقها.
هذا لا يعني أن كل سلوك مؤذٍ ناتج عن مشكلة في تنظيم المشاعر، لكنه احتمال يستحق الاستكشاف عندما يتكرر السلوك خصوصًا في أوقات الانفعال.
الخوف من المجهول والتمسك بالمألوف
قد يتمسك الإنسان بعلاقة غير صحية أو وظيفة تستنزفه أو نمط حياة يسبب له المعاناة، لأن البديل يبدو مخيفًا أو غير واضح. فالمألوف يمنح شعورًا نسبيًا بالتوقع، حتى عندما يكون مؤلمًا، بينما يتطلب التغيير مواجهة احتمالات جديدة.
وقد يكون الشخص مدركًا أن الوضع الحالي لا يناسبه، لكنه يخشى الوحدة أو الفشل أو انتقادات الآخرين أو فقدان الاستقرار المادي. لذلك قد يظل في مكانه، لا لأنه يفضّل الألم بالضرورة، بل لأنه لا يرى بعدُ طريقًا آمنًا للخروج منه.
المعتقدات السلبية عن الذات
أحيانًا تتداخل السلوكيات المؤذية مع أفكار راسخة مثل: «أنا لا أستحق معاملة أفضل»، أو «لا أحد سيبقى معي»، أو «أنا دائمًا أفشل عندما أحاول التغيير».
قد تدفع هذه المعتقدات الشخص إلى قبول ما يؤذيه أو التخلي عن المحاولة سريعًا. وإذا تكرر السلوك، فقد يستخدم النتيجة دليلًا جديدًا على اعتقاده السلبي عن نفسه، فتتشكل دائرة تغذي نفسها.
عندما يتحول الخطأ المتكرر إلى حكم شامل على الذات، يصبح التغيير أصعب؛ لأن الإنسان لا يحاول تعديل سلوكه فقط، بل يحاول أيضًا مقاومة الصورة السلبية التي يحملها عن نفسه.
الاندفاع والضغط النفسي
تؤثر شدة الانفعال، وقلة النوم، والإرهاق، والضغط المستمر في قدرة الإنسان على التفكير في العواقب وتأجيل الاستجابة للرغبة الآنية. في لحظات التوتر الشديد، قد يصبح الحصول على راحة سريعة أكثر إلحاحًا من الالتزام بهدف بعيد المدى.
لهذا قد ينجح شخص في تجنب عادة معينة عندما يكون هادئًا، ثم يعود إليها في فترة مليئة بالمشكلات. لا يعني ذلك أن قدرته على التغيير اختفت، بل أن الظروف التي تساعده على ضبط سلوكه قد أصبحت أصعب.
كيف تتكون دائرة السلوك المؤذي؟
يمكن فهم التكرار من خلال تسلسل نفسي بسيط، مع اختلاف التفاصيل من شخص إلى آخر.
المحفز
شعور بالوحدة أو القلق أو الغضب أو موقف ضاغط
الرغبة في التخلص من الشعور
البحث عن استجابة مألوفة تمنح راحة سريعة
السلوك المتكرر
تجنب أو اندفاع أو عودة إلى عادة مؤذية
راحة مؤقتة ثم عواقب مؤلمة
يتجدد الضغط، فتزداد احتمالية تكرار السلوك
قد يضاف إلى هذه الدائرة شعور بالذنب أو الخجل بعد انتهاء السلوك. وبدلًا من أن يدفع هذا الشعور إلى تغيير فعال، قد يزيد الضيق الذي يحاول الشخص الهروب منه، فيعود إلى السلوك مرة أخرى.
ولا تنطبق هذه الدائرة بالطريقة نفسها على الجميع. فالسلوك الواحد قد يؤدي وظائف مختلفة، كما أن أسباب تكراره قد تتغير من موقف إلى آخر.
كيف يؤثر تكرار السلوك المؤذي على حياة الإنسان؟
مع مرور الوقت، قد تتجاوز آثار السلوك اللحظة التي يحدث فيها. فالإنسان الذي يؤجل مهامه باستمرار قد يفقد ثقته في قدرته على الإنجاز، والذي يندفع في الخلافات قد يواجه تراجعًا في استقرار علاقاته، والذي يستخدم وسائل غير صحية للتعامل مع التوتر قد يجد أن المشكلة الأصلية أصبحت مصحوبة بمشكلات إضافية.
وقد تتأثر صورة الشخص عن نفسه أيضًا. فهو يتذكر وعوده السابقة، ويقارنها بما حدث، ويبدأ في تفسير التكرار على أنه دليل على ضعفه أو فشله. وفي بعض الحالات، يصبح الخوف من تكرار الخطأ نفسه مصدرًا للقلق، حتى قبل حدوث الموقف المحفز.
من المهم هنا ألا نخلط بين تحمّل المسؤولية عن السلوك وبين إهانة الذات. يمكن للإنسان أن يعترف بأن تصرفاته تؤذي نفسه أو الآخرين، وأن يعمل على إصلاح آثارها، دون أن يعتبر نفسه شخصًا سيئًا بصورة دائمة.
هل تكرار السلوك المؤذي يعني وجود اضطراب نفسي؟
لا. تكرار سلوك غير مفيد لا يعني وحده وجود اضطراب نفسي، فقد يرتبط بعادة مكتسبة أو ضغط مؤقت أو مهارات لم تتطور بما يكفي للتعامل مع موقف معين.
لكن التكرار قد يتداخل أحيانًا مع حالات تحتاج إلى تقييم متخصص، مثل اضطرابات تعاطي المواد، أو بعض اضطرابات التحكم في الاندفاع، أو الاكتئاب والقلق عندما تؤثر أعراضهما في القرارات والسلوك. وقد يرتبط إيذاء النفس بصعوبات في التعامل مع الضيق النفسي، لكن دوافعه تختلف بين الأشخاص ولا يمكن استنتاجها من السلوك وحده.
كيف يميز المتخصص بين العادة والمشكلة النفسية؟
لا يعتمد التقييم على عدد مرات تكرار السلوك فقط، بل يشمل طبيعة السلوك، والظروف التي يظهر فيها، ودرجة القدرة على التحكم فيه، والأضرار الناتجة عنه، ومدى تأثيره على العمل والدراسة والعلاقات والصحة.
كما يهتم المتخصص بتاريخ المشكلة، والأعراض المصاحبة، والعوامل التي تزيدها أو تخففها. فقد يكون من الضروري التمييز بين سلوك يخفف القلق مؤقتًا، وسلوك يرتبط بمشكلة في التحكم في الاندفاع، وسلوك يحدث في سياق اكتئاب أو تعاطي مواد.
الهدف من التقييم ليس وضع تشخيص سريع لكل سلوك متكرر، بل فهم وظيفته وأسبابه وما يحتاج إليه الشخص حتى يتمكن من تغييره.
كيف يمكن كسر دائرة السلوك المؤذي؟
التغيير لا يبدأ بالضرورة من إجبار النفس على التوقف، بل من فهم ما الذي يجعل السلوك يتكرر، ثم تعديل الظروف التي تغذيه وتعلّم استجابة بديلة تؤدي وظيفة مشابهة بطريقة أقل ضررًا.
اكتشاف المحفزات التي تسبق السلوك
من المفيد ملاحظة ما يحدث قبل السلوك مباشرة. هل يظهر بعد خلاف؟ هل يزداد عندما يشعر الشخص بالرفض؟ هل يرتبط بالملل أو الإرهاق أو الخوف من الفشل؟ تساعد هذه الملاحظات على اكتشاف الأنماط التي قد لا ينتبه إليها الشخص في حياته اليومية.
يمكن تسجيل الموقف، والشعور الذي سبقه، والسلوك الذي حدث، والنتيجة المباشرة واللاحقة. ليس الهدف مراقبة النفس بصورة قاسية، بل جمع معلومات تساعد على فهم المشكلة بدلًا من الاكتفاء بقول «أنا أفعل ذلك دائمًا».
البحث عن بديل يحقق الاحتياج نفسه
إذا كان السلوك يمنح راحة مؤقتة، فمن الصعب الاستغناء عنه دون إيجاد وسيلة أخرى للتعامل مع الشعور الذي يسبقه. وقد يحتاج الشخص إلى تعلّم التعبير عن احتياجاته، أو حل المشكلات تدريجيًا، أو تحمّل القلق دون تجنب الموقف، أو طلب الدعم عندما يشعر بالوحدة.
فالشخص الذي ينسحب من كل نقاش صعب قد يتدرب على تأجيل الرد حتى يهدأ، ثم العودة إلى الحوار في وقت مناسب. والشخص الذي يندفع في لحظات الغضب قد يتعلم ملاحظة العلامات المبكرة للانفعال قبل أن يصل إلى مرحلة يصعب فيها التفكير بهدوء.
تغيير البيئة بدلًا من الاعتماد على الإرادة وحدها
قد يساعد تقليل الاحتكاك بالمحفزات، وتغيير الروتين المرتبط بالسلوك، وإضافة خطوات بسيطة بين الرغبة والفعل. فمن يريد تقليل استخدام الهاتف، مثلًا، يمكنه إبعاده أثناء العمل بدلًا من الاعتماد على مقاومة الرغبة كل بضع دقائق.
وإذا كان السلوك مرتبطًا بعلاقة تتضمن تهديدًا أو عنفًا أو استغلالًا، فلا يكفي التعامل معه باعتباره عادة شخصية؛ فقد يحتاج الشخص إلى دعم خارجي وخطة تراعي سلامته وظروفه.
التعامل مع الانتكاسات دون الاستسلام
قد يعود الإنسان إلى سلوك قديم بعد فترة من التحسن. لا يعني ذلك أن كل ما حققه قد ضاع، لكنه قد يكشف عن محفز لم يتعامل معه بعد، أو عن حاجة لم يجد لها بديلًا مناسبًا.
الأهم هو مراجعة ما حدث: ما الظروف التي سبقت العودة؟ ما الذي كان يمكن أن يساعد؟ وما الخطوة الصغيرة التي يمكن تجربتها في المرة المقبلة؟ بهذه الطريقة يصبح التعثر فرصة للتعلم، لا حكمًا نهائيًا على القدرة على التغيير.
ما دور العلاج النفسي في تغيير السلوك المؤذي؟
عندما يصبح السلوك متكررًا ومسببًا للمعاناة، يمكن أن يساعد العلاج النفسي على فهم العلاقة بين الأفكار والمشاعر والتصرفات، وتحديد العوامل التي تحافظ على المشكلة، ثم التدريب على استجابات أكثر مرونة.
العلاج المعرفي السلوكي
يساعد العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy, CBT) على التعرف إلى الأفكار التلقائية والأنماط السلوكية التي تزيد المشكلة، واختبار مدى دقة بعض المعتقدات، والتدرب على سلوكيات بديلة. وقد يشمل ذلك وضع أهداف واقعية، ومواجهة التجنب تدريجيًا عندما يكون ذلك مناسبًا، وتطوير مهارات حل المشكلات.
العلاج المرتكز على تنظيم المشاعر
عندما يرتبط السلوك بصعوبة شديدة في تحمل الانفعالات أو الاندفاع، قد يستفيد الشخص من تدخلات تركز على تنظيم المشاعر وتحمل الضيق والوعي باللحظة والتواصل الفعال. ويُعد العلاج السلوكي الجدلي (Dialectical Behavior Therapy, DBT) أحد الخيارات التي قد تناسب حالات محددة، ويُختار وفق طبيعة المشكلة واحتياجات الشخص.
أما إذا كان التكرار مرتبطًا بتعاطي مواد أو اضطراب نفسي آخر، فينبغي أن يتناول العلاج المشكلة الأساسية أيضًا. ولا يُعد الدواء علاجًا عامًا لكل عادة مؤذية؛ إذ يعتمد استخدامه على وجود حالة تستدعيه وتقييم الطبيب المختص.
تؤكد إرشادات المعهد الوطني للصحة وجودة الرعاية في بريطانيا (NICE)، عند التعامل مع إيذاء النفس تحديدًا، أهمية التقييم النفسي الاجتماعي والتدخلات النفسية المصممة وفق احتياجات الشخص. وهذا مثال على ضرورة فهم وظيفة السلوك وسياقه بدلًا من الاكتفاء بمحاولة إيقافه.
NICE+1
متى ينبغي طلب المساعدة النفسية؟
يستحق الأمر تقييمًا متخصصًا عندما يتكرر السلوك رغم المحاولات الجادة لتغييره، أو عندما يسبب أضرارًا واضحة للصحة أو العلاقات أو الدراسة أو العمل. ويصبح طلب المساعدة أكثر أهمية إذا كان السلوك يتصاعد، أو يصاحبه ضيق شديد، أو يرتبط بتعاطي مواد أو فقدان ملحوظ للسيطرة.
كذلك، إذا كان السلوك يتضمن إيذاء النفس أو أفكارًا انتحارية، فمن المهم عدم التعامل معه باعتباره مجرد عادة سيئة. عند وجود إصابة خطيرة أو خطر وشيك، ينبغي طلب المساعدة الطبية الطارئة والتواصل مع شخص موثوق يمكنه المساعدة في الحفاظ على السلامة.
لا يحتاج الإنسان إلى الانتظار حتى تصل المشكلة إلى مرحلة شديدة قبل طلب الدعم. أحيانًا يكون التوقيت الأنسب هو اللحظة التي يلاحظ فيها أن نمطًا معينًا بدأ يتكرر ويؤثر في حياته، لكنه لا يفهم بعد كيف يخرج منه.
أسئلة شائعة حول تكرار السلوك المؤذي
هل تكرار السلوك المؤذي يعني أن الإنسان ضعيف الإرادة؟
لا. قد تؤثر العادات والمشاعر والضغط النفسي والمحفزات المحيطة في قدرة الإنسان على تغيير سلوكه. الإرادة مهمة، لكنها ليست العامل الوحيد. وغالبًا ما يكون التغيير أكثر فاعلية عندما يقترن بفهم أسباب السلوك وتعديل البيئة وتعلّم مهارات بديلة.
لماذا أكرر الخطأ نفسه رغم أنني ندمت عليه؟
لأن الندم يحدث غالبًا بعد انتهاء السلوك، بينما تحدث الرغبة فيه داخل موقف مختلف تحكمه مشاعر وضغوط أخرى. قد تعرف بعد هدوئك أن التصرف لم يكن مناسبًا، ثم تجد صعوبة في تطبيق هذه المعرفة عندما يتكرر الغضب أو الخوف أو التوتر. لذلك من المفيد العمل على اللحظات التي تسبق السلوك، لا الاكتفاء بالندم بعده.
لماذا أعود إلى علاقة تؤذيني رغم معرفتي بأنها غير مناسبة؟
قد يرتبط ذلك بالخوف من الوحدة، أو التعلق العاطفي، أو الأمل في أن يتغير الطرف الآخر، أو صعوبات وضع الحدود، أو ظروف مادية واجتماعية تجعل الانفصال معقدًا. ولا يوجد تفسير واحد يناسب جميع العلاقات. من المهم فهم هذه العوامل مع الانتباه إلى أن التهديد والعنف والاستغلال تتطلب إعطاء الأولوية للسلامة والدعم المناسب.
هل يمكن التخلص من العادات المؤذية نهائيًا؟
يمكن تغيير كثير من العادات وتقليل تكرارها بدرجة كبيرة، لكن النتائج تختلف بحسب طبيعة السلوك والظروف المحيطة به. وقد يحتاج الشخص إلى الاستمرار في استخدام مهارات جديدة ومراجعتها عندما يواجه ضغوطًا أو مواقف محفزة. الهدف ليس ضمان عدم التعثر مطلقًا، بل زيادة القدرة على الاختيار والتعامل مع التعثر دون العودة إلى الدائرة نفسها بصورة مستمرة.
هل تكرار السلوك المؤذي علامة على اضطراب نفسي؟
ليس بالضرورة. فقد يكون السلوك عادة مكتسبة أو استجابة لضغط أو مشكلة في مهارات التعامل مع المشاعر. لكن إذا كان متكررًا بدرجة ملحوظة أو يسبب أضرارًا مستمرة، فقد يكون جزءًا من مشكلة نفسية تحتاج إلى تقييم. لا يمكن تحديد وجود اضطراب أو نوعه اعتمادًا على سلوك واحد فقط.
كيف أساعد شخصًا يكرر سلوكًا يؤذيه؟
ابدأ بالاستماع دون السخرية أو التوبيخ، وحاول فهم ما يشعر به قبل السلوك وما الذي يجعله يعود إليه. يمكنك التعبير عن قلقك بوضوح، وتشجيعه على التفكير في بدائل أو طلب المساعدة، مع الحفاظ على حدود تحميك إذا كان سلوكه يؤذيك أيضًا. دعم الشخص لا يعني تحمل الإساءة أو تولي مسؤولية تغيير سلوكه نيابة عنه.
متى يكون العلاج النفسي ضروريًا؟
يكون التقييم النفسي مفيدًا عندما يسبب السلوك معاناة مستمرة، أو يؤثر بوضوح في الحياة اليومية، أو يصعب تغييره رغم المحاولات المتكررة. وتزداد أهمية طلب المساعدة عند وجود إيذاء للنفس أو تعاطي مواد أو أعراض نفسية أخرى. يحدد المتخصص طبيعة المشكلة والخيارات المناسبة بعد تقييم الحالة.
الخلاصة
قد يعرف الإنسان ما ينبغي أن يفعله، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يفعله في اللحظة التي تشتد فيها مشاعره أو تظهر فيها عاداته القديمة. ولهذا فإن فهم السلوك المؤذي يحتاج إلى أكثر من مطالبة النفس بالتوقف؛ يحتاج إلى اكتشاف ما الذي يغذيه، وما الاحتياج الذي يحاول تلبيته، وما الذي يمكن تغييره حتى يصبح الاختيار الصحي ممكنًا.
التغيير الحقيقي لا يبدأ من كراهية الذات بسبب ما تكرره، بل من فهم ما يحدث داخلك، وتحمل مسؤولية أفعالك، وبناء طرق أكثر أمانًا للتعامل مع ما يؤلمك.
إذا كان تكرار سلوك معين يؤثر في حياتك أو يسبب لك معاناة مستمرة، فقد يساعدك التقييم مع متخصص في الصحة النفسية على فهم أسبابه ووضع خطة تناسب احتياجاتك. وتتيح خدمات Cairo Therapy مساحة لفهم التجارب النفسية والتعامل معها بصورة مهنية تراعي ظروف كل شخص، دون أحكام مسبقة أو وعود غير واقعية.
المراجعة الطبية
تمت مراجعة هذا المحتوى طبيًا بواسطة: د محمد حجازى
المراجع الطبية
1. Wood, W., & Rünger, D. Psychology of Habit. Annual Review of Psychology, 2016.
https://doi.org/10.1146/annurev-psych-122414-033417
2. National Institute for Health and Care Excellence (NICE). Self-harm: assessment, management and preventing recurrence (NG225).
https://www.nice.org.uk/guidance/ng225
3. National Institute for Health and Care Excellence (NICE). Self-harm: assessment, management and preventing recurrence: Recommendations.
https://www.nice.org.uk/guidance/ng225/chapter/recommendations

لا تعليق