قد يستيقظ شخص في أحد الأيام وهو يشعر بأنه قادر على تحقيق كل شيء. يقرر ترك عمله، أو استثمار مدخراته في مشروع لم يدرسه جيدًا، أو الدخول في علاقة عاطفية مفاجئة، أو إنفاق مبالغ كبيرة على أشياء لم يكن يفكر فيها من قبل. وقد لا يرى في هذه القرارات أي مشكلة، بل يشعر بأنها فرص استثنائية لا ينبغي أن يضيعها.
لكن بعد انتهاء هذه الفترة، قد ينظر إلى ما فعله بدهشة، ويتساءل: كيف اتخذت كل هذه القرارات؟ ولماذا لم أفكر في عواقبها؟
هذه التجربة قد تحدث أثناء نوبة الهوس (Mania)، وهي إحدى الحالات المزاجية المرتبطة بالاضطراب ثنائي القطب. فالهوس لا يعني مجرد الشعور بالسعادة المفرطة أو امتلاك طاقة كبيرة، بل يتضمن تغيرات عميقة في التفكير والنوم والانفعالات وتقدير المخاطر.
ومن أكثر الجوانب التي قد تسبب مشكلات أثناء الهوس زيادة السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، مثل الإنفاق المفرط والقرارات المالية المتسرعة والسلوك الجنسي غير المحسوب والاندفاع نحو تغييرات حياتية كبيرة.
لفهم هذه الظاهرة، من المهم أن نعرف ما الذي يحدث في طريقة عمل العقل أثناء الهوس، ولماذا قد تبدو القرارات الخطيرة منطقية ومغرية في تلك اللحظة، وكيف يمكن حماية الشخص من عواقبها دون التعامل معه باعتباره شخصًا غير مسؤول أو فاقدًا للإرادة.
ما هو الهوس (Mania)؟
الهوس هو حالة مزاجية تتميز بارتفاع غير طبيعي ومستمر في المزاج أو زيادة واضحة في التهيج والطاقة والنشاط، يصاحبها تغير في طريقة التفكير والسلوك والأداء اليومي.
قد يشعر الشخص أثناء نوبة الهوس بأنه أكثر ثقة بنفسه، وأكثر قدرة على الإنجاز، وأسرع في التفكير، وأقل احتياجًا إلى النوم. وقد تتزايد لديه الرغبة في بدء المشروعات وتحقيق الأهداف والانخراط في الأنشطة الممتعة أو المثيرة.
لكن هذه التغيرات لا تكون دائمًا إيجابية، حتى عندما يشعر الشخص بأنها كذلك.
فقد يصاحبها ضعف في تقدير العواقب، وزيادة الاندفاع، والمبالغة في تقييم القدرات الشخصية، وصعوبة التوقف قبل اتخاذ القرارات.
من الأعراض التي قد تظهر أثناء نوبة الهوس:
-
ارتفاع ملحوظ في المزاج أو التهيج بصورة غير معتادة.
-
انخفاض الحاجة إلى النوم دون الشعور بالتعب المتوقع.
-
تسارع الأفكار والكلام وصعوبة إيقاف الحديث.
-
زيادة النشاط والطاقة والرغبة في تنفيذ العديد من المشروعات.
-
الشعور المبالغ فيه بالثقة أو الأهمية أو امتلاك قدرات استثنائية.
-
التشتت وسرعة الانتقال من فكرة إلى أخرى.
-
الانخراط المفرط في أنشطة قد تحمل عواقب مؤذية، مثل الإنفاق أو الاستثمارات أو السلوكيات الجنسية المحفوفة بالمخاطر.
ولا يعني وجود بعض هذه الأعراض وحده أن الشخص يمر بنوبة هوس؛ إذ يعتمد التشخيص على نمط الأعراض ومدتها وشدتها وتأثيرها في حياة الشخص، مع استبعاد الأسباب الأخرى المحتملة.
الهوس لا يغير فقط مقدار الطاقة التي يمتلكها الإنسان، بل قد يغير الطريقة التي يفهم بها قدراته وحدود الواقع والعواقب المحتملة لأفعاله.
لماذا تزيد المخاطرة أثناء الهوس؟
لا يوجد سبب واحد يفسر زيادة المخاطرة أثناء الهوس. بل تتداخل عدة تغيرات نفسية ومعرفية وبيولوجية تجعل الشخص أكثر ميلًا إلى البحث عن المكافأة وأقل قدرة على التوقف ومراجعة قراراته.
زيادة حساسية الدماغ للمكافأة
من التفسيرات العلمية المهمة للهوس ما يرتبط بنظام التنشيط السلوكي (Behavioral Activation System)، وهو نظام عصبي نفسي يشارك في الاستجابة للمكافآت والأهداف والمحفزات التي تحمل احتمال الحصول على شيء ممتع أو مرغوب.
تشير الأبحاث إلى أن بعض الأشخاص المصابين بالاضطراب ثنائي القطب قد يظهرون حساسية مرتفعة للمكافآت، خصوصًا في سياق الهوس أو الاستعداد لحدوثه.
بمعنى أن الفرصة التي قد يراها شخص آخر مجرد احتمال عادي، قد تبدو للشخص أثناء الهوس فرصة استثنائية تستحق التحرك الفوري.
على سبيل المثال، قد يرى الشخص فكرة مشروع تجاري جديد ويشعر بحماس شديد تجاه الأرباح المتوقعة، لكنه لا يمنح الخسائر المحتملة أو الصعوبات العملية الاهتمام نفسه.
وقد لا يكون الدافع هنا مجرد الرغبة في المال أو النجاح، بل حالة من التنشيط النفسي تجعل السعي وراء المكافأة أكثر إلحاحًا وجاذبية.
ضعف القدرة على التحكم في الاندفاع
الاندفاع (Impulsivity) هو الميل إلى التصرف بسرعة استجابةً لرغبة أو فكرة أو انفعال، دون منح التفكير في العواقب الوقت الكافي.
أثناء الهوس، قد يصبح الشخص أقل قدرة على تأجيل الرغبات أو مقاومة المحفزات أو مراجعة قراراته قبل تنفيذها.
فبدلًا من التفكير في قرار شراء مكلف لمدة أيام، قد ينفذه خلال دقائق. وبدلًا من دراسة فرصة استثمارية، قد يضع فيها مبلغًا كبيرًا لأنه يشعر بحماس شديد تجاهها.
وتشير مراجعة منهجية وتحليل تلوي نُشرا في مجلة Psychological Medicine عام 2020 إلى وجود صعوبات مرتبطة بالاندفاع والتحكم في الاستجابة واتخاذ القرار لدى المصابين بالاضطراب ثنائي القطب. ومع ذلك، فإن نتائج الأبحاث المتعلقة بالمخاطرة نفسها ليست متطابقة، ولا يمكن اعتبار كل شخص مصاب بالاضطراب ثنائي القطب أكثر ميلًا للمخاطرة بالدرجة نفسها.
المبالغة في تقدير القدرات الشخصية
من السمات التي قد تظهر أثناء الهوس تضخم تقدير الذات (Grandiosity)، حيث يشعر الشخص بأنه يمتلك قدرات أو مواهب أو إمكانات استثنائية تتجاوز قدراته الفعلية.
قد يعتقد أنه يستطيع إدارة عدة مشروعات في الوقت نفسه، أو تحقيق أرباح ضخمة دون خبرة كافية، أو النجاح في مهمة معقدة دون الحاجة إلى التخطيط.
وفي بعض الحالات، قد تصل هذه الأفكار إلى درجة الاعتقاد بامتلاك قدرات خارقة أو مكانة استثنائية لا تتفق مع الواقع، وقد تصبح ذات طبيعة ضلالية.
المشكلة هنا ليست الثقة بالنفس في حد ذاتها، وإنما الانفصال بين مستوى الثقة والتقدير الواقعي للإمكانات.
عندما ترتفع الثقة بالنفس بصورة غير متناسبة مع الواقع، قد يفقد الإنسان أحد أهم عوامل الحماية من القرارات الخطيرة: القدرة على إدراك حدود إمكاناته.
الشعور بأن العواقب السلبية لن تحدث
من التغيرات المهمة أثناء الهوس أن الشخص قد يقلل من احتمالية حدوث النتائج السلبية، حتى عندما تكون المخاطر واضحة للآخرين.
قد يعرف أن استثمار أمواله بالكامل في مشروع غير مضمون يحمل احتمالًا كبيرًا للخسارة، لكنه يشعر بأن النجاح شبه مؤكد.
وقد يدرك أن قلة النوم المستمرة تؤثر في صحته، لكنه يعتقد أنه لا يحتاج إلى الراحة مثل الآخرين.
هذا لا يعني بالضرورة أنه يجهل المخاطر تمامًا، وإنما قد لا يمنحها الوزن النفسي والمعرفي المناسب عند اتخاذ القرار.
قلة النوم وتسارع الأفكار
انخفاض الحاجة إلى النوم من العلامات المهمة للهوس. وقد ينام الشخص ساعات قليلة جدًا دون أن يشعر بالتعب الذي يتوقعه الآخرون.
ومع استمرار قلة النوم، قد تتفاقم صعوبات التركيز وتنظيم الانفعالات والتفكير المتأني. كما قد يؤدي تسارع الأفكار إلى الانتقال السريع بين القرارات دون استكمال تقييم كل منها.
وهكذا تتفاعل قلة النوم مع زيادة الطاقة والاندفاع، فتجعل السلوك أكثر سرعة وأقل تنظيمًا.
ما أشكال المخاطرة التي قد تظهر أثناء نوبة الهوس؟
لا تظهر المخاطرة بالطريقة نفسها لدى جميع الأشخاص. فقد يندفع شخص نحو الإنفاق، بينما يركز آخر على العلاقات أو المشروعات أو المغامرات. ويتأثر ذلك بطبيعة الشخص وظروفه وخبراته السابقة وشدة النوبة.
المخاطرة المالية والإنفاق المفرط
يُعد الإنفاق المفرط من السلوكيات المعروفة التي قد تظهر أثناء الهوس. فقد يشتري الشخص أشياء باهظة الثمن دون حاجة حقيقية إليها، أو ينفق مدخراته، أو يقترض أموالًا لتمويل مشروع يعتقد أنه سيحقق نجاحًا استثنائيًا.
وقد لا يقتصر الأمر على المشتريات، بل يمكن أن يشمل المضاربة المالية أو الاستثمارات غير المدروسة أو الدخول في التزامات مالية طويلة الأمد.
المشكلة أن الشعور بالحماس والثقة قد يجعل الشخص يركز على الأرباح المتوقعة، بينما يتجاهل احتمالات الخسارة والديون والالتزامات المستقبلية.
المخاطرة في العلاقات والسلوك الجنسي
قد تؤدي زيادة الطاقة والرغبة في المتعة أثناء الهوس إلى ارتفاع الرغبة الجنسية أو الدخول في علاقات عاطفية وجنسية بسرعة غير معتادة.
وقد يتخذ الشخص قرارات تتعلق بعلاقات جديدة دون التفكير الكافي في التوافق أو الالتزامات أو الحدود الشخصية، أو ينخرط في ممارسات جنسية لا يعتادها وقد تعرضه لمخاطر صحية أو اجتماعية.
ولا ينبغي تفسير هذه السلوكيات باعتبارها دليلًا على سوء الأخلاق أو ضعف الشخصية؛ فهي قد تكون مرتبطة بالتغيرات المزاجية والاندفاعية المصاحبة للنوبة.
المخاطرة المهنية والدراسية
قد يقرر الشخص ترك وظيفته فجأة، أو الدخول في مشروع جديد دون تخطيط، أو التخلي عن مسار دراسي مهم لأنه يشعر بأنه قادر على تحقيق نجاح أكبر في مجال آخر.
وقد يضع أهدافًا ضخمة خلال فترة قصيرة، ويبدأ عدة مهام في الوقت نفسه، ثم يجد صعوبة في إكمالها أو الالتزام بتفاصيلها.
أحيانًا تكون بعض التغييرات المهنية إيجابية بالفعل، لكن المشكلة تكمن في اتخاذ قرارات مصيرية خلال فترة يتغير فيها الحكم على الأمور بصورة ملحوظة.
القيادة والمغامرات الجسدية
قد يظهر الاندفاع في صورة قيادة السيارات بسرعة أو تجاهل قواعد السلامة أو الدخول في مغامرات جسدية دون تقدير كافٍ للمخاطر.
وقد يشعر الشخص بأنه لا يخاف، أو أن قدرته على التحكم في المواقف أعلى من الواقع.
وهنا تصبح المخاطرة أكثر خطورة لأنها قد تؤدي إلى إصابات جسدية أو تعريض الآخرين للأذى.
كيف يشعر الشخص أثناء اتخاذ القرارات الخطيرة؟
لفهم المخاطرة أثناء الهوس، لا يكفي أن ننظر إلى السلوك من الخارج. من المهم أيضًا فهم التجربة الداخلية للشخص.
فالشخص الذي ينفق مبلغًا كبيرًا أو يقرر ترك وظيفته قد لا يشعر بأنه يتصرف بتهور. بل ربما يشعر بأنه يتخذ أخيرًا قرارًا شجاعًا كان يؤجله طوال حياته.
قد تبدو له الأفكار أكثر وضوحًا، والفرص أكثر جاذبية، والمستقبل أكثر إشراقًا. وقد يشعر بأن الآخرين لا يفهمون إمكاناته، أو أنهم يحاولون تعطيله بسبب خوفهم أو تشاؤمهم.
ولهذا قد يرفض النصائح والتحذيرات، ليس بالضرورة لأنه لا يهتم بأسرته أو لا يقدر آراء الآخرين، ولكن لأنه يفسر الموقف من منظور نفسي مختلف خلال النوبة.
وقد يشعر بالغضب عندما يحاول أحد أفراد الأسرة منعه من تنفيذ قراراته، خصوصًا إذا اعتقد أن الآخرين يقللون من قدراته.
ما يبدو للآخرين اندفاعًا غير محسوب قد يبدو للشخص أثناء الهوس فرصة نادرة أو قرارًا منطقيًا أو خطوة نحو حياة أفضل.
وهذا الاختلاف في إدراك الموقف يفسر لماذا قد يكون إقناع الشخص بالمخاطر صعبًا، ولماذا تحتاج الأسرة إلى التعامل مع الموقف بهدوء وتجنب المواجهات التصادمية قدر الإمكان.
كيف يؤثر الهوس على القدرة على اتخاذ القرار؟
اتخاذ القرار عملية معقدة تتطلب جمع المعلومات، ومقارنة الخيارات، وتقدير النتائج، وتأجيل المكافأة الفورية عندما تكون هناك مصلحة أكبر على المدى الطويل.
أثناء الهوس، قد تتأثر عدة جوانب من هذه العملية.
أولًا، قد يصبح الشخص أكثر انجذابًا إلى النتائج الإيجابية الفورية، وأقل اهتمامًا بالنتائج البعيدة. وثانيًا، قد تقل قدرته على إيقاف الاستجابة الاندفاعية ومراجعة الفكرة قبل تنفيذها.
كما أن تسارع التفكير والتشتت قد يجعلان من الصعب متابعة جميع التفاصيل المرتبطة بالقرار.
على سبيل المثال، قد يركز الشخص على فكرة أن شراء سيارة جديدة سيجعله أكثر نجاحًا وسعادة، لكنه لا يفكر بالقدر نفسه في الأقساط والتكاليف والالتزامات المالية التي ستستمر بعد انتهاء شعوره بالحماس.
ومن المهم التمييز بين القدرة على فهم المعلومات والقدرة على استخدامها في اتخاذ قرار متوازن. فقد يكون الشخص قادرًا على شرح المخاطر نظريًا، لكنه لا يقدر تأثيرها بصورة واقعية في لحظة اتخاذ القرار.
ما الفرق بين المخاطرة أثناء الهوس والاندفاع الطبيعي؟
ليس كل قرار سريع أو مغامرة أو إنفاق غير معتاد علامة على الهوس. فالناس يختلفون في درجة اندفاعهم، وقد يتخذ أي شخص قرارًا غير موفق دون أن يكون لديه اضطراب نفسي.
الفرق الأساسي يتعلق بالسياق والتغير عن طبيعة الشخص المعتادة.
في الاندفاع الطبيعي، قد يتصرف الإنسان بسرعة في موقف معين، لكنه يحتفظ غالبًا بقدرته المعتادة على تقييم الأمور، وقد يشعر بالندم أو يعيد التفكير عندما تظهر معلومات جديدة.
أما أثناء الهوس، فقد تكون زيادة النشاط والطاقة والاندفاع جزءًا من تغير مزاجي واضح ومستمر، يصاحبه انخفاض الحاجة إلى النوم وتغير في سرعة التفكير والثقة بالنفس وطريقة التعامل مع الآخرين.
ومن المهم أيضًا التمييز بين الهوس والهوس الخفيف (Hypomania). فالهوس الخفيف يتضمن تغيرًا ملحوظًا في المزاج والطاقة والنشاط، لكنه لا يصل إلى مستوى التعطيل الشديد أو الحاجة إلى الاستشفاء النفسي الذي قد يصاحب نوبة الهوس. وقد لا يدرك الشخص المصاب بالهوس الخفيف أن سلوكه تغير بصورة غير معتادة.
ولا يمكن تحديد الفرق بين الحالتين من خلال الإنفاق أو المخاطرة وحدهما، بل يحتاج الأمر إلى تقييم سريري شامل.
كيف يتم تشخيص الهوس وتقييم المخاطرة؟
يعتمد تشخيص نوبة الهوس على تقييم طبي نفسي يتناول طبيعة الأعراض ومدتها وشدتها وتأثيرها في الأداء الاجتماعي والمهني والأسري.
ويحاول الطبيب فهم ما إذا كانت هناك فترة واضحة من التغير عن الحالة المعتادة للشخص، مع البحث عن أعراض مثل انخفاض الحاجة إلى النوم، وتسارع الأفكار، وزيادة النشاط، والتشتت، وتضخم تقدير الذات، والسلوكيات الاندفاعية.
كما يهتم الطبيب بتاريخ نوبات المزاج السابقة، والأدوية التي يستخدمها الشخص، واحتمال تعاطي مواد تؤثر في المزاج، ووجود أمراض جسدية قد تسبب أعراضًا مشابهة.
لماذا يسأل الطبيب عن المال والعلاقات والسلوكيات؟
لأن تقييم الهوس لا يقتصر على تحديد الأعراض، بل يشمل فهم المخاطر الناتجة عنها.
قد يسأل الطبيب عن الإنفاق والديون والقيادة والسلوك الجنسي والنزاعات الأسرية وإهمال الاحتياجات الأساسية، بالإضافة إلى أفكار إيذاء النفس أو الآخرين.
وقد يكون من المفيد الحصول على معلومات من أحد أفراد الأسرة، بموافقة الشخص متى أمكن، لأن بعض التغيرات السلوكية قد تكون أوضح للمحيطين به، خصوصًا عندما لا يشعر الشخص بأن هناك مشكلة.
كما يجب تقييم احتمال وجود حالات أخرى، مثل اضطرابات تعاطي المواد أو بعض الاضطرابات النفسية أو اضطرابات الغدة الدرقية، بحسب الأعراض والتاريخ الطبي.
كيف يمكن التعامل مع زيادة المخاطرة أثناء الهوس؟
التعامل مع المخاطرة أثناء الهوس يحتاج إلى الجمع بين العلاج الطبي وتقليل فرص حدوث الأذى، مع الحفاظ قدر الإمكان على كرامة الشخص واستقلاليته.
تأجيل القرارات المصيرية
من الإجراءات المهمة تجنب اتخاذ قرارات مالية أو مهنية أو عاطفية كبيرة خلال فترة الهوس.
توصي الإرشادات العلاجية بتشجيع الشخص على تأجيل القرارات المهمة حتى يتعافى من النوبة، لأن قدرته على تقييم الخيارات قد تكون متأثرة.
قد يشمل ذلك تأجيل بيع الممتلكات، أو الاقتراض، أو ترك العمل، أو الدخول في استثمارات كبيرة.
تقليل الوصول إلى مصادر الخطر
إذا كان هناك خطر واضح من الإنفاق المفرط أو القيادة المتهورة أو السلوكيات المؤذية، يمكن وضع ترتيبات وقائية مناسبة بالتعاون مع الشخص والأسرة والفريق العلاجي.
قد تتضمن هذه الترتيبات الاتفاق مسبقًا على آليات لمراجعة القرارات المالية الكبيرة، أو الحد من الوصول إلى وسائل قد تسبب أذى مباشرًا، أو توفير إشراف ودعم إضافي خلال الفترة الحادة.
ويجب أن تكون الإجراءات متناسبة مع مستوى الخطر، وتحترم الحقوق والخصوصية، وألا تتحول إلى عقاب أو إذلال.
تقليل المثيرات والحفاظ على النوم
قد يساعد توفير بيئة هادئة وتقليل الضوضاء والمثيرات والنقاشات الحادة في الحد من زيادة الاستثارة.
كما أن تنظيم مواعيد النوم والابتعاد عن السهر والمواد المنبهة أو المخدرة من الأمور المهمة ضمن خطة الرعاية.
لكن هذه الإجراءات وحدها لا تكفي لعلاج نوبة هوس واضحة، ولا ينبغي أن تؤخر التقييم الطبي.
كيف يتم علاج الهوس وتقليل السلوكيات المحفوفة بالمخاطر؟
يهدف علاج الهوس إلى السيطرة على الأعراض المزاجية، واستعادة القدرة على التفكير واتخاذ القرارات بصورة أكثر اتزانًا، وتقليل احتمالات تكرار النوبات وما قد يصاحبها من أضرار.
ويختلف العلاج وفقًا لشدة النوبة والتاريخ المرضي والاستجابة السابقة للأدوية والحالة الصحية العامة.
العلاج الدوائي
يُعد العلاج الدوائي عنصرًا أساسيًا في التعامل مع نوبات الهوس، وقد يشمل مثبتات المزاج (Mood Stabilizers) أو مضادات الذهان (Antipsychotics)، وفقًا للتقييم الطبي.
تساعد هذه الأدوية على السيطرة على ارتفاع المزاج والنشاط المفرط والتهيج وتسارع الأفكار، وقد تسهم في تقليل الاندفاع والسلوكيات الخطيرة المرتبطة بالنوبة.
ويختار الطبيب العلاج بناءً على عدة عوامل، منها شدة الأعراض، والأمراض المصاحبة، والأدوية المستخدمة سابقًا، والآثار الجانبية المحتملة.
ومن المهم عدم إيقاف الأدوية أو تعديل جرعاتها من تلقاء النفس، حتى عندما يشعر الشخص بتحسن واضح أو يعتقد أنه لم يعد بحاجة إلى العلاج.
العلاج النفسي
العلاج النفسي له دور مهم في التعامل مع الاضطراب ثنائي القطب، خصوصًا بعد السيطرة على الأعراض الحادة، وفي الوقاية من الانتكاس وتحسين القدرة على إدارة الحياة اليومية.
ومن الأساليب المستخدمة العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy)، الذي يساعد الشخص على التعرف إلى أنماط التفكير والسلوك المرتبطة بتغيرات المزاج، وفهم تأثيرها في القرارات والعلاقات.
كما يمكن استخدام العلاج الذي يركز على تنظيم الإيقاع الاجتماعي والبيولوجي (Interpersonal and Social Rhythm Therapy)، وهو أسلوب يساعد على تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ والأنشطة اليومية، والتعامل مع الضغوط التي قد تؤثر في استقرار المزاج.
وقد يستفيد بعض الأشخاص أيضًا من العلاج الأسري، الذي يساعد أفراد الأسرة على فهم طبيعة الاضطراب، والتعرف إلى العلامات المبكرة للنوبة، وتحسين التواصل والتعامل مع الأزمات.
وضع خطة للوقاية من الانتكاس
من الجوانب المهمة في العلاج إعداد خطة شخصية للتعامل مع العلامات المبكرة للهوس.
فقد يلاحظ الشخص أو أسرته أن النوبة تسبقها تغيرات مثل النوم لساعات أقل، أو زيادة الكلام، أو ارتفاع النشاط بصورة غير معتادة، أو البدء في مشروعات كثيرة، أو زيادة الإنفاق.
يساعد التعرف إلى هذه العلامات مبكرًا على التواصل مع الطبيب والتدخل قبل أن تتفاقم الأعراض.
ويُفضل أن تتضمن خطة الوقاية الأشخاص الذين يمكن التواصل معهم، والإجراءات المناسبة عند ظهور علامات الانتكاس، وطريقة التعامل مع المخاطر المالية والاجتماعية والسلوكية.
كيف يمكن للأسرة التعامل مع الشخص أثناء الهوس؟
قد تكون الأسرة من أكثر الأطراف تأثرًا بالسلوكيات التي تظهر أثناء الهوس، خصوصًا عندما تحدث خلافات بسبب الإنفاق أو القرارات المفاجئة أو رفض العلاج.
لكن التعامل مع الشخص باعتباره متعمدًا لإيذاء نفسه أو أسرته قد يزيد التوتر ويجعل التواصل أكثر صعوبة.
من الأفضل اتباع بعض المبادئ:
-
التحدث بهدوء وتجنب الجدال الطويل حول الأفكار غير الواقعية.
-
التعبير عن القلق من السلوك نفسه دون إهانة الشخص أو التقليل من شأنه.
-
تشجيعه على التواصل مع الطبيب النفسي في أقرب وقت.
-
تجنب تشجيعه على تنفيذ قرارات مالية أو مهنية كبيرة خلال النوبة.
-
مراقبة التغيرات في النوم والنشاط والإنفاق والسلوك.
-
وضع خطة واضحة للتصرف إذا ظهرت علامات خطر على سلامته أو سلامة الآخرين.
ومن المهم أن تفهم الأسرة أن الشخص قد لا يمتلك خلال النوبة مستوى الاستبصار المعتاد بحالته، ولذلك قد يحتاج إلى دعم أكبر مما يحتاج إليه في الفترات المستقرة.
مساندة الشخص أثناء الهوس لا تعني الموافقة على كل قراراته، بل تعني مساعدته على تجنب الأذى مع الحفاظ على احترامه وكرامته.
متى يجب طلب المساعدة النفسية أو الطبية؟
يُنصح بطلب تقييم متخصص عندما تظهر تغيرات واضحة وغير معتادة في المزاج والطاقة والنوم والسلوك، خصوصًا إذا بدأت تؤثر في العلاقات أو العمل أو الدراسة أو القرارات المالية.
وتصبح الحاجة إلى التدخل أكثر إلحاحًا عندما:
-
ينخفض النوم بصورة كبيرة مع استمرار النشاط المرتفع.
-
تظهر قرارات مالية أو مهنية شديدة الاندفاع.
-
يصبح الشخص شديد التهيج أو يصعب التواصل معه.
-
تظهر معتقدات غير واقعية بدرجة تؤثر في سلوكه.
-
يتعرض لخسائر مالية أو مشكلات اجتماعية بسبب تصرفاته.
-
يهمل الطعام أو النوم أو الاحتياجات الأساسية.
-
تظهر أفكار انتحارية أو سلوكيات إيذاء النفس أو الآخرين.
إذا كان الشخص غير قادر على الحفاظ على سلامته، أو ظهرت أعراض ذهانية شديدة، أو أصبح هناك خطر وشيك، فيجب طلب المساعدة الطبية الطارئة وعدم تركه دون دعم مناسب.
الهوس ليس مجرد فترة من النشاط الزائد يمكن انتظار انتهائها دائمًا؛ فقد يحتاج إلى تدخل طبي عاجل، خصوصًا عندما ترتفع احتمالات الأذى.
أسئلة شائعة حول زيادة المخاطرة أثناء الهوس
هل يدرك الشخص أثناء الهوس أنه يتخذ قرارات خطيرة؟
ليس بالضرورة. فقد يكون الشخص مقتنعًا بأن قراراته منطقية ومناسبة، بل قد يشعر بأنه أكثر قدرة على التفكير من المعتاد. وقد يعرف بعض المخاطر نظريًا، لكنه يقلل من أهميتها أو يعتقد أنه قادر على تجنبها. ويختلف مستوى الاستبصار من شخص إلى آخر ومن نوبة إلى أخرى.
هل يندم الشخص بعد انتهاء نوبة الهوس على تصرفاته؟
قد يشعر بعض الأشخاص بالندم أو الحرج أو الحزن عندما يستعيدون قدرتهم المعتادة على تقييم ما حدث. وقد يواجهون عواقب مالية أو اجتماعية أو مهنية لم يكونوا يقدرونها أثناء النوبة. لكن الاستجابة تختلف؛ فبعض الأشخاص يشعرون بالندم، بينما يحتاج آخرون إلى وقت لفهم تأثير سلوكهم.
هل كل شخص مصاب بالاضطراب ثنائي القطب يميل إلى المخاطرة؟
لا. تختلف التجربة بين الأشخاص بصورة كبيرة. فقد يمر شخص بنوبات هوس تتضمن إنفاقًا مفرطًا، بينما تظهر لدى شخص آخر في صورة نشاط زائد أو تهيج أو أفكار متسارعة دون سلوكيات مالية خطيرة. كما تتأثر المخاطرة بشدة النوبة والسمات الشخصية والظروف المحيطة.
هل زيادة المخاطرة أثناء الهوس تعني أن الشخص أصبح عدوانيًا؟
لا. المخاطرة والاندفاع لا يعنيان بالضرورة العدوانية. فقد تظهر المخاطرة في صورة إنفاق أو قرارات عاطفية أو مغامرات غير محسوبة دون أي سلوك عدواني. لكن بعض الأشخاص قد يعانون من تهيج شديد أو سلوك عدواني، خصوصًا في النوبات الشديدة، وهو ما يستدعي تقييمًا طبيًا مناسبًا.
هل يمكن أن تستمر الاندفاعية بعد انتهاء نوبة الهوس؟
نعم، قد تستمر بعض صعوبات التحكم في الاندفاع واتخاذ القرار لدى بعض الأشخاص حتى خارج النوبات المزاجية الواضحة. وتشير بعض الأبحاث إلى أن الاندفاعية قد تكون موجودة بدرجات متفاوتة خلال مراحل مختلفة من الاضطراب ثنائي القطب. لذلك لا يعني استقرار المزاج بالضرورة اختفاء جميع الصعوبات المعرفية والسلوكية في الوقت نفسه.
هل قلة النوم وحدها تسبب الهوس وزيادة المخاطرة؟
قلة النوم وحدها لا تكفي لتشخيص نوبة الهوس، لكنها قد تكون علامة مبكرة مهمة لدى بعض الأشخاص المصابين بالاضطراب ثنائي القطب، كما أن اضطراب النوم قد يسهم في زعزعة استقرار المزاج. لذلك ينبغي الانتباه إلى انخفاض الحاجة إلى النوم عندما يصاحبه ارتفاع غير معتاد في الطاقة أو تغيرات سلوكية واضحة.
هل يمكن الوقاية من القرارات الخطيرة أثناء نوبة الهوس؟
يمكن تقليل احتمالاتها من خلال العلاج المنتظم، والتعرف إلى العلامات المبكرة للنوبة، وإعداد خطة مسبقة لإدارة المخاطر، وتأجيل القرارات المصيرية خلال فترات عدم الاستقرار المزاجي. كما يساعد التعاون بين الشخص والأسرة والطبيب على اكتشاف التغيرات مبكرًا والتدخل قبل حدوث خسائر كبيرة.
الخلاصة
زيادة المخاطرة أثناء الهوس ليست مجرد اندفاع عابر أو رغبة في المغامرة، بل قد تكون نتيجة تغيرات أعمق في نظام المكافأة والتحكم في السلوك وتقدير العواقب والثقة بالنفس.
وقد تكون أكثر الجوانب إيلامًا في التجربة أن الشخص لا يشعر بالضرورة بأنه يفعل شيئًا خاطئًا أثناء النوبة، بينما تظهر خطورة قراراته بصورة أوضح بعد استقرار حالته.
فهم هذه الآلية يساعد على الابتعاد عن اللوم والأحكام الأخلاقية، واستبدالها بالتدخل المبكر والعلاج والوقاية.
ليس الهدف أن يفقد الإنسان ثقته بنفسه أو قدرته على اتخاذ القرارات، بل أن يستعيد التوازن الذي يسمح له بالاستمتاع بحياته وتحقيق أهدافه دون أن يدفع ثمنًا مؤذيًا لاندفاع لا يستطيع تقدير عواقبه في لحظته.
إذا كنت تلاحظ تغيرات متكررة في المزاج والطاقة والنوم، أو تجد أن الاندفاع والقرارات غير المحسوبة بدأت تؤثر في حياتك، فقد يساعدك التقييم مع متخصص في الصحة النفسية على فهم ما يحدث وتحديد الخطوات العلاجية المناسبة. وتوفر Cairo Therapy مساحة متخصصة لفهم المشكلات النفسية والتعامل معها بصورة علمية وإنسانية، دون اختزال تجربة الشخص في مجرد أعراض.
المراجعة الطبية
تمت مراجعة هذا المحتوى طبيًا بواسطة: د محمد حجازى
المراجع الطبية
1. National Institute of Mental Health (NIMH). Bipolar Disorder.
https://www.nimh.nih.gov/health/publications/bipolar-disorder
2. National Institute for Health and Care Excellence (NICE). Bipolar Disorder: Assessment and Management. Clinical Guideline CG185. Updated September 2025.
https://www.nice.org.uk/guidance/cg185/chapter/Recommendations
3. Ramírez-Martín A, et al. Impulsivity, decision-making and risk-taking behaviour in bipolar disorder: a systematic review and meta-analysis. Psychological Medicine. 2020;50(13):2141-2153.
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/32878660/
4. Johnson SL. The Behavioral Activation System and Mania. Annual Review of Clinical Psychology. 2012;8:243-267.
https://doi.org/10.1146/annurev-clinpsy-032511-143148
5. Clinical Practice Guidelines for the Management of Bipolar Disorder: 2025 Update.
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12900052/

لا تعليق