في عالم يطالبنا دائمًا بـ”أن نكون بخير”، يُصبح من الصعب أن نعترف بمشاعرنا، وخاصة تلك التي لا تندرج تحت التصنيفات المريحة مثل “السعادة” أو “الرضا”.
فنشعر بالذنب إذا بكينا، بالخجل إذا غضبنا، وبالضعف إذا خفنا.
لكن الحقيقة التي نغفل عنها كثيرًا هي: المشاعر ليست خطأً… الحكم عليها هو الخطأ.

هذا المقال دعوة لأن نكفّ عن محاكمة مشاعرنا، وأن نسمح لها بأن تكون كما هي، تمرّ، وتُفهم، وتُحتوى… لا أن تُقاوَم أو تُدفن.


 لماذا نحكم على مشاعرنا؟

السبب غالبًا ما يكون تربويًا ومجتمعيًا. منذ الصغر:

      • يُقال لنا “ما تبكِيش، دي مش رجولة” أو “عيب تعصّبي، انتي مؤدبة”.

      • نُكافأ حين نكبت مشاعرنا، ونُلام إذا عبّرنا عنها.

      • نُربّى على أن المشاعر القوية = ضعف، أو أن الشعور بالحزن = فشل.

كل هذا يبرمج عقلنا الباطن على أن هناك “مشاعر جيدة” يُسمح بها، و”مشاعر سيئة” يجب أن نخفيها. ومع الوقت، نبدأ نحكم على أنفسنا لمجرد أننا بشر نمر بتقلبات.


 ماذا يحدث عندما نحكم على مشاعرنا؟

حين نحكم على شعور ما، فإننا لا نزيله… بل نضيف عليه شعورًا جديدًا، هو العار أو الذنب.
مثلًا:

      • أشعر بالخوف → أقول لنفسي “أنا جبان” → أزيد الخوف بخجل.

      • أشعر بالحزن → أقول “أنا ضعيف” → أزيد الحزن بإحساس بالعار.

      • أغضب → أقول “أنا شخص سيء” → أزيد الغضب باللوم.

وهكذا، تصبح المشاعر البسيطة عقدًا متراكمة فقط لأننا لم نسمح لها بالوجود في سلام.


 مثال من الحياة اليومية

شخص ما واجه موقفًا محرجًا في العمل. في طريق العودة، شعر بالخجل والانزعاج.
عقله بدأ يحكم:
“كان لازم أكون أذكى… شكلي غبي قدامهم… ليه كل مرة أتلخبط؟”
فبدأ يشعر بالضيق، ثم القلق، ثم بدأ يلوم نفسه بقسوة.

لو كان فقط قال لنفسه:
“أنا الآن أشعر بالإحراج. وهذا طبيعي. كل إنسان يمر بذلك.”
لكان الشعور مرّ كغيمة خفيفة، بدل أن يتحوّل إلى عاصفة داخلية.


 كل شعور له وظيفة

      • الخوف يحذرنا من الخطر.

      • الغضب يخبرنا أن هناك حدودًا تم انتهاكها.

      • الحزن يُشير إلى أن هناك فقدًا أو ألمًا يحتاج للشفاء.

      • الغيرة تكشف ما نرغب فيه ولم نحققه بعد.

      • القلق يُنبهنا لشيء غير محسوم.

كل شعور أداة للوعي، وليس عقوبة.


لماذا نقول “دعها تمر دون مقاومة”؟

لأن المشاعر مثل الأمواج
تأتي، تبلغ ذروتها، ثم تهدأ وتزول.

لكن حين نقاومها:

      • كأننا نغلق عليها الباب فتبدأ تصرخ.

      • أو نحاول دفعها بعيدًا فتعود بقوة أكبر.

أما حين نقول ببساطة: “أشعر بكذا الآن”، ونتنفس معها، ونمنحها حق الوجود، فإنها تأخذ وقتها وترحل.


 مثال عملي

أنت تستعد لتقديم عرض في العمل وتشعر بالتوتر.
ردة فعلك المعتادة: “لازم أكون واثق، كده مش هينفع، أنا كده بضعف.”
لكن هذه المرة جرّبت شيئًا مختلفًا:
أغلقت عينيك، تنفّست بعمق، وقلت لنفسك:
“أنا متوتر الآن. طبيعي أشعر بذلك. جسمي يحاول يحميني. شكرًا له.”

وفجأة، بدأ التوتر ينخفض. لأنك لم تقاومه… بل احتويته.


 كيف نتوقف عن محاكمة مشاعرنا؟

  1. استبدل “لماذا أنا هكذا؟” بـ “ماذا أحتاج؟”
    بدلًا من لوم نفسك على الشعور، اسأل: ما الذي يحاول هذا الشعور أن يخبرني به؟

  2. اكتب مشاعرك دون تصنيفها كجيدة أو سيئة
    مثل: “أشعر بالحزن… أشعر بالغضب… أشعر بالغيرة”
    دون أن تقول “ما كانش المفروض أشعر كده”.

  3. راقب لغتك الداخلية
    تجنب العبارات مثل “أنا سلبي”، “أنا درامي”، “أنا مريض نفسي”، واستبدلها بـ: “أنا إنسان، وأشعر الآن بكذا”.

  4. تأمّل في مشاعرك كما تشاهد فيلمًا
    لاحظها، لا تتماهي معها، ولا تدينها.

  5. تذكّر أن المشاعر مؤقتة
    “كل شيء يمر”… الحزن، القلق، وحتى الغضب. لا شيء يدوم إذا لم نحبسه.


 مشاعرنا ليست العدو

المشاعر في حقيقتها مؤشرات وليست أعداء.
هي مثل مصابيح السيارة التي تضيء لتلفت انتباهك، لا لتؤذيك.
كلما تجاهلتها أو كسرتها، كلما زادت المشكلة.

لا تكن في حرب مع مشاعرك… كن في حوار معها.


 مثال داخلي مختلف

بدلًا من:
“أنا زعلان، بس ماينفعش أزعل، كده ضعف.”
قل:
“أنا زعلان… لأن في حاجة وجعتني… وهحاول أفهمها وأتعامل معها بلطف.”

تخيّل الفرق في الأثر النفسي بين الجملتين.


 الخلاصة: تقبّل المشاعر هو قوة حقيقية

      • القوة ليست في قمع المشاعر، بل في احتوائها.

      • الشجاعة ليست في الابتسام دائمًا، بل في أن تقول: “أنا أتألم… وهذا لا يقلل منّي.”

      • النضج العاطفي يبدأ حين تتوقف عن أن تكون قاضيًا صارمًا على نفسك، وتصبح مستمعًا متفهّمًا لها.

فكل شعور يمرّ بك، يمر لأنه يريد أن يُسمَع.
افتح له الباب، لا لتبقيه، بل ليسلك طريقه بهدوء.

لا تعليق

اترك رد