في عالم يمجّد الإيجابية، ويكرّس ثقافة “التفاؤل مهما حدث”، قد يشعر كثير من الناس بالذنب لمجرد أنهم حزينون أو قلقون أو غاضبون. تبدأ العبارات المعتادة في الظهور:
“خليك إيجابي”، “مافيش حاجة تستاهل الزعل”، “ابتسم، الدنيا حلوة”…
لكن هل هذا الأسلوب مفيد حقًا؟ وهل المطلوب أن نكون إيجابيين دائمًا؟
في هذا المقال، نستعرض الإجابة من منظور علم النفس، ونوضح أهمية قبول المشاعر السلبية، لا محاربتها.


 الإيجابية المفرطة: حين تتحوّل النوايا الجيدة إلى ضغط نفسي

الإيجابية في جوهرها أمر جيد. أن ترى جانبًا مشرقًا في المواقف، وأن تحافظ على الأمل، هي مهارات نفسية صحية. لكن حين تتحوّل الإيجابية إلى واجب مستمر أو إلى أداة لقمع المشاعر الطبيعية، فإنها تصبح عبئًا لا دعمًا.

يُطلق علماء النفس على هذه الظاهرة اسم “الإيجابية السامة” (Toxic Positivity)، وتعني:

الإصرار على البقاء إيجابيًا طوال الوقت، ورفض أو إنكار أو التقليل من المشاعر السلبية.


 لماذا لا نستطيع أن نكون إيجابيين دائمًا؟

لأننا بشر.
البشر مخلوقات عاطفية. نحن نشعر بالخوف عندما يكون هناك تهديد، وبالحزن عند الفقد، وبالغضب عند الظلم، وبالقلق عند المجهول. هذه المشاعر ليست دليل ضعف، بل أدوات بقاء تطورت معنا عبر آلاف السنين.

تخيّل لو أن الإنسان الأول كان “إيجابيًا” عندما رأى نمرًا يقترب منه، ولم يشعر بالخوف…
كانت النهاية ستكون مختلفة جدًا!


 مثال واقعي: سلمى و”الإيجابية الإجبارية”

سلمى شابة فقدت عملها فجأة بعد سنوات من الاجتهاد.
بدل أن تسمح لنفسها بالحزن أو الشعور بخيبة الأمل، قالت لنفسها:

“أنا لازم أكون إيجابية. أكيد ده خير.”
ثم نشرت على وسائل التواصل:
“كل شيء يحدث لسبب. أنا سعيدة ومتفائلة!”

لكنها لم تكن سعيدة.
كانت تبكي ليلًا، وتشعر بالقلق من المستقبل. ولم تُصرّح بذلك خوفًا من أن تُتهم بأنها “سلبية”.

هذه الحالة تُبيّن كيف يمكن للإيجابية الزائفة أن تعزلنا وتُشعرنا بالذنب لمجرد أننا نشعر… طبيعيًا.


 ما الذي يحدث عندما نكبت المشاعر السلبية؟

كبت المشاعر لا يجعلها تختفي. بل يجعلها:

      • تظهر في شكل توتر عضلي أو آلام جسدية

      • تتحوّل إلى قلق مزمن أو نوبات غضب

      • تؤدي إلى مشاكل في العلاقات أو اتخاذ قرارات غير مدروسة

      • تُضعف القدرة على التعاطف مع الذات والآخرين


 علم النفس: المشاعر كلها معلومات

المشاعر السلبية ليست عدوك، بل رسائل من نفسك:

      • الحزن يخبرك أن هناك فقدًا أو ألمًا.

      • القلق يشير إلى أمر غير واضح أو خطر محتمل.

      • الغضب يدل على أن هناك شيئًا انتهك قيمك أو تجاوز حدودك.

تجاهل هذه المشاعر = تجاهل نفسك.


 البديل: التوازن العاطفي لا الإيجابية الدائمة

الهدف ليس أن نكون “إيجابيين دائمًا”، بل أن نكون صادقين مع أنفسنا. وهذا يشمل:

      • تقبّل المشاعر كما هي

      • التعبير عنها بطريقة صحية

      • مراجعتها، ثم اتخاذ قرارات واعية


مثال توضيحي: حسن يتعامل مع القلق

حسن لديه مقابلة عمل مهمة.
بدل أن يقول لنفسه: “أنا مش قلقان، كله تمام!”
قال: “أنا قلق، لأن هذه الوظيفة مهمة بالنسبة لي. القلق طبيعي، وسأحضّر نفسي جيدًا.”

النتيجة؟
شعر بتحكم أكبر، واستطاع التركيز بدل أن يضيع في إنكار قلقه.


 كيف أتعامل مع المشاعر السلبية دون أن أغرق فيها؟

  1. اسمح لنفسك بالشعور
    قل لنفسك: “من حقي أكون حزينًا” أو “من الطبيعي أن أشعر بالقلق الآن.”

  2. لا تحكم على نفسك
    تجنّب العبارات مثل: “أنا ضعيف”، “ماينفعش أعيط”، “ده تفكير سلبي.”

  3. اكتب ما تشعر به
    التعبير عن المشاعر في دفتر أو على الهاتف يُخفف الضغط ويساعدك على الفهم.

  4. شارك مع من تثق
    اختر شخصًا لا يُحاكمك، بل يسمعك فقط.

  5. انتقل للتصرف الواعي
    بعد أن تهدأ، فكّر: ما الذي يمكنني فعله حيال هذا الموقف؟


 خرافات عن المشاعر يجب تصحيحها

الخرافة الحقيقة
“الشخص القوي لا يحزن” القوة هي القدرة على الاعتراف بالحزن والتعامل معه.
“القلق معناه إنك ضعيف” القلق استجابة طبيعية للتحديات، وقد يكون محفزًا للتحضير.
“الغضب عيب” الغضب إشارة مهمة للظلم أو الانتهاك، المهم كيف نعبّر عنه.
“التفكير الإيجابي يحل كل شيء” التفكير الواقعي المتوازن هو الأكثر فعالية على المدى البعيد.

خاتمة: الإنسان ليس آلة تفاؤل

أنت لست مضطرًا أن تكون مبتسمًا طول الوقت.
لست مجبرًا أن تخفي حزنك كي ترضي الآخرين.
ولست بحاجة أن تقمع قلقك أو غضبك كي “تبدو قويًا”.

القوة الحقيقية هي في الصدق مع الذات، وفي قبول ما نشعر به.

المشاعر السلبية ليست ضعفًا… بل بوّابة للفهم، والتغيير، والنمو.
اسمح لنفسك أن تشعر، أن تحزن، أن تغضب، أن تقلق… ثم اختر أن تمضي في طريقك، بخطى صادقة ومتزنة.

لا تعليق

اترك رد