تمثل مثبتات المزاج حجر الأساس في علاج الاضطرابات المزاجية، وعلى رأسها الاضطراب الوجداني ثنائي القطب. فهي لا تستهدف نوبة واحدة فقط، بل تعمل على إعادة التوازن العام للمزاج، وتقليل حدة التقلبات، ومنع الانتكاسات على المدى الطويل. ورغم شيوع الحديث عن الليثيوم بوصفه الأشهر، فإن فئة مثبتات المزاج أوسع وأكثر تنوعًا، ولكل دواء منها خصائصه ودواعي استخدامه.
ما المقصود بمثبتات المزاج؟
مثبتات المزاج هي أدوية تهدف إلى تقليل التقلبات الحادة في المزاج، سواء كانت نوبات هوس أو هوس خفيف أو اكتئاب. لا تعمل هذه الأدوية على “رفع” المزاج أو “خفضه” بشكل مباشر مثل بعض مضادات الاكتئاب أو المهدئات، بل تسعى إلى تحقيق حالة من الاستقرار النفسي والعصبي، تسمح للمريض بالعيش بوظائف نفسية أقرب إلى الطبيعي.
من المهم التأكيد أن مفهوم “التثبيت” لا يعني إلغاء المشاعر أو تسطيحها، وإنما تقليل حدتها المرضية التي تعيق الأداء اليومي والعلاقات الاجتماعية.
الليثيوم: المعيار الذهبي لمثبتات المزاج
يُعد الليثيوم أقدم وأكثر مثبتات المزاج دراسة، ولا يزال حتى اليوم يُعتبر المعيار الذهبي في علاج الاضطراب ثنائي القطب، خاصة في الوقاية من نوبات الهوس وتقليل خطر الانتحار.
كيف يعمل الليثيوم؟
لا يعمل الليثيوم عبر مسار واحد بسيط، بل يؤثر على عدة أنظمة عصبية داخل الدماغ. فهو يساهم في تنظيم النواقل العصبية، ويؤثر على مسارات الإشارات داخل الخلايا العصبية، ما يؤدي في النهاية إلى تقليل فرط النشاط المرتبط بالهوس، وتحسين الاستقرار المزاجي العام.
ورغم أن آلية عمله الدقيقة لا تزال قيد البحث، فإن فعاليته السريرية مثبتة عبر عقود من الاستخدام والمتابعة.
مميزات الليثيوم
-
-
-
فعالية عالية في الوقاية من نوبات الهوس المتكررة
-
تقليل واضح في معدلات الانتحار لدى مرضى الاضطراب ثنائي القطب
-
مناسب للاستخدام طويل المدى لدى فئة كبيرة من المرضى
-
-
التحديات المرتبطة باستخدام الليثيوم
استخدام الليثيوم يتطلب التزامًا طبيًا دقيقًا، نظرًا لضيق الهامش بين الجرعة العلاجية والجرعة السامة. لذلك يحتاج المريض إلى:
-
-
-
متابعة دورية لنسبة الليثيوم في الدم
-
فحوصات منتظمة لوظائف الكلى والغدة الدرقية
-
التزام ثابت بالجرعات وعدم التوقف المفاجئ
-
-
هذه المتطلبات لا تعني أن الليثيوم دواء خطير، بل تعكس أهمية استخدامه بشكل علمي وتحت إشراف متخصص.
مضادات الصرع كمثبتات مزاج
إلى جانب الليثيوم، تُستخدم بعض أدوية الصرع كمثبتات للمزاج، خاصة في الحالات التي لا يكون فيها الليثيوم مناسبًا أو كافيًا بمفرده.
فالبروات الصوديوم (فالبرويك أسيد)
يُعد فالبروات من أكثر مثبتات المزاج استخدامًا، خاصة في علاج نوبات الهوس الحادة والهوس المختلط. يتميز بسرعة تأثيره مقارنة بالليثيوم، ما يجعله خيارًا شائعًا في الحالات التي تتطلب تدخلًا سريعًا.
يُستخدم أيضًا في المرضى الذين يعانون من:
-
-
-
نوبات هوس شديدة أو متكررة
-
عدم استجابة كافية لليثيوم
-
صعوبة في الالتزام بالمتابعة الدقيقة المطلوبة مع الليثيوم
-
-
لاموتريجين
يختلف لاموتريجين عن غيره من مثبتات المزاج في كونه أكثر فاعلية في الوقاية من نوبات الاكتئاب ثنائي القطب، مقارنة بتأثيره المحدود على الهوس.
غالبًا ما يُستخدم:
-
-
-
كعلاج وقائي طويل المدى
-
في المرضى الذين يعانون من اكتئاب متكرر أكثر من الهوس
-
ضمن خطة علاجية مشتركة مع مثبتات أخرى
-
-
يتميز لاموتريجين بتحمله الجيد نسبيًا، لكنه يحتاج إلى زيادة تدريجية بطيئة للجرعة لتقليل خطر الآثار الجانبية الجلدية.
دور مثبتات المزاج في العلاج طويل المدى
أحد المفاهيم الخاطئة الشائعة هو أن مثبتات المزاج تُستخدم فقط أثناء النوبات الحادة. في الواقع، القيمة الحقيقية لهذه الأدوية تظهر في الاستخدام الوقائي طويل المدى، حيث تقلل من:
-
-
-
تكرار النوبات
-
شدة الأعراض عند حدوثها
-
التأثير السلبي للمرض على الحياة المهنية والاجتماعية
-
-
الالتزام بالعلاج، حتى في فترات الاستقرار، يُعد عنصرًا حاسمًا في نجاح الخطة العلاجية.
مثبتات المزاج والعلاج المتكامل
رغم أهمية مثبتات المزاج، فإنها نادرًا ما تكون كافية بمفردها. العلاج الأمثل يعتمد على دمج الدواء مع:
-
-
-
العلاج النفسي الداعم أو المعرفي السلوكي
-
التثقيف النفسي للمريض وأسرته
-
تنظيم نمط الحياة، خاصة النوم وتقليل الضغوط
-
-
هذا التكامل يساعد المريض على فهم مرضه، والتعامل مع العلامات المبكرة للانتكاس، وتحقيق استقرار نفسي أكثر استدامة.
خلاصة
مثبتات المزاج، وعلى رأسها الليثيوم، ليست مجرد أدوية لعلاج الأعراض، بل هي أدوات أساسية لإدارة الاضطرابات المزاجية على المدى الطويل. اختيار الدواء المناسب، والالتزام بالمتابعة الطبية، ودمج العلاج الدوائي مع الدعم النفسي، كلها عناصر تصنع الفارق بين علاج مؤقت واستقرار حقيقي ومستمر.

لا تعليق