اضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder – BPD) هو أحد اضطرابات الشخصية التي تُثير الكثير من التساؤلات والاهتمام في علم النفس والطب النفسي. يتميز هذا الاضطراب بنمط دائم من عدم الاستقرار في العلاقات الشخصية، وصورة الذات، والمزاج، بالإضافة إلى سلوكيات اندفاعية. وفي هذا المقال، نستعرض تعريف هذا الاضطراب، وأهم أسبابه، وأعراضه، وطرق تشخيصه وعلاجه.
أولاً: تعريف اضطراب الشخصية الحدية
اضطراب الشخصية الحدية هو اضطراب نفسي يُصنّف ضمن اضطرابات الشخصية “المجموعة ب” حسب التصنيف الأمريكي للأمراض النفسية DSM-5. يتمثل هذا الاضطراب في صعوبة شديدة في تنظيم المشاعر والانفعالات، ما يؤدي إلى تقلبات حادة في المزاج، وصعوبات في الحفاظ على علاقات مستقرة، وسلوكيات متهورة قد تؤدي إلى إيذاء النفس أو محاولة الانتحار في بعض الحالات.
ثانياً: الأسباب والعوامل المساهمة
لا يوجد سبب واحد محدد للإصابة باضطراب الشخصية الحدية، بل هو نتيجة تفاعل عدة عوامل بيولوجية ونفسية وبيئية، من أهمها:
- العوامل الوراثية: تشير الدراسات إلى وجود ميل وراثي لاضطرابات الشخصية، حيث تزيد فرص الإصابة إذا كان أحد أفراد الأسرة مصاباً بنفس الاضطراب أو باضطرابات مشابهة مثل الاكتئاب أو الإدمان.
- العوامل العصبية: بعض الأبحاث توضح وجود اختلافات في تركيب ووظيفة مناطق معينة في الدماغ، مثل اللوزة الدماغية (Amygdala) وقشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex)، والتي تتحكم في المشاعر واتخاذ القرارات.
- الخبرات الطفولية المؤلمة: مثل التعرض للإهمال العاطفي، أو سوء المعاملة الجسدية أو الجنسية، أو فقدان أحد الوالدين، وهذه التجارب تؤثر بعمق على تطور الشخصية والقدرة على الثقة بالآخرين.
- العوامل البيئية والاجتماعية: التنشئة في بيئة غير مستقرة، مليئة بالصراعات أو العلاقات المختلة، قد تسهم في تكوين نمط الشخصية الحدية.
ثالثاً: الأعراض والعلامات
اضطراب الشخصية الحدية يتميز بعدد من الأعراض الأساسية التي تظهر في مراحل المراهقة أو بداية البلوغ، وتشمل ما يلي:
- الخوف الشديد من الهجر: حتى التغيرات البسيطة في العلاقات يمكن أن تُشعر الشخص برعب من الفقد أو الرفض، ما يدفعه إلى سلوكيات شديدة لتجنب الانفصال الحقيقي أو المتخيل.
- علاقات غير مستقرة ومكثفة: حيث يتنقل الشخص بسرعة من المثالية المفرطة للطرف الآخر إلى خيبة الأمل والكره الشديد له.
- اضطراب في صورة الذات: غالباً ما يعاني الشخص من شعور بعدم الثبات في الهوية أو عدم معرفة من هو فعلاً.
- سلوكيات اندفاعية وخطيرة: مثل الإسراف في الإنفاق، أو القيادة المتهورة، أو الجنس غير الآمن، أو تعاطي المخدرات، أو الأكل بشراهة.
- إيذاء النفس أو التهديد بالانتحار: كوسيلة للتعبير عن الألم العاطفي أو طلباً للانتباه والدعم.
- تقلبات مزاجية شديدة: مثل الانتقال من الفرح إلى الغضب أو الحزن خلال ساعات قليلة دون سبب واضح.
- شعور مزمن بالفراغ: الإحساس الداخلي بعدم القيمة أو الملل الدائم.
- غضب غير مناسب أو صعوبة في التحكم به: مثل نوبات الغضب المفاجئة أو الاستياء المستمر.
- أفكار بجنون العظمة أو أعراض تفكك مؤقتة: تظهر غالباً تحت الضغط النفسي الشديد.
رابعاً: التشخيص
يُشخّص اضطراب الشخصية الحدية من خلال التقييم النفسي الدقيق الذي يجريه طبيب نفسي مختص. يعتمد التشخيص على التاريخ المرضي والسلوكي للشخص، بالإضافة إلى المقابلات النفسية، وغالباً ما يُطلب وجود خمسة أعراض أو أكثر من الأعراض التسعة المذكورة في دليل DSM-5.
خامساً: العلاج
رغم التحديات الكبيرة المرتبطة بهذا الاضطراب، فإن العلاج ممكن ومثمر في كثير من الحالات، خاصة عند التزام المريض بالخطة العلاجية. تشمل الخيارات العلاجية:
- العلاج النفسي (العلاج بالكلام): وهو حجر الزاوية في علاج اضطراب الشخصية الحدية، ويشمل عدة أنواع مثل:
- العلاج السلوكي الجدلي (DBT): ويعد من أنجح الأساليب، يركز على مهارات تنظيم المشاعر، والتعامل مع التوتر، وتحسين العلاقات.
- العلاج المعرفي السلوكي (CBT): يهدف إلى تعديل الأفكار والسلوكيات السلبية.
- العلاج المرتكز على الذوات (Schema Therapy): يركز على تصحيح الأنماط النفسية المتكررة الناتجة عن الطفولة.
- الأدوية: لا توجد أدوية مخصصة لهذا الاضطراب، ولكن يمكن استخدام مضادات الاكتئاب، أو مثبتات المزاج، أو مضادات الذهان لتخفيف بعض الأعراض مثل القلق أو نوبات الغضب أو الاكتئاب.
- الدعم الاجتماعي والعائلي: من المهم إشراك العائلة في خطة العلاج لخلق بيئة أكثر استقرارًا ودعمًا.
- التأهيل النفسي وتعلم المهارات: يشمل تعلم مهارات التفاعل الاجتماعي، والتنظيم العاطفي، وحل المشكلات.
سادساً: التعايش مع الاضطراب
يحتاج التعايش مع اضطراب الشخصية الحدية إلى صبر ومثابرة، سواء من الشخص المصاب أو من المحيطين به. وقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يخضعون للعلاج المناسب يمكن أن يشهدوا تحسناً كبيراً في الأعراض ونوعية الحياة. من المهم أن يفهم المصاب أن مشاعره ليست عيباً، وأن تقلباته ليست دليلاً على الجنون، بل انعكاس لصراعات داخلية قابلة للفهم والعلاج.
سابعاً: نصائح للمحيطين بالشخص المصاب
- لا تأخذ الأمور بشكل شخصي: فتصرفاته ناتجة عن ألم داخلي حاد، وليست موجهة ضدك.
- كن داعماً دون أن تكون مفرط الحماية: شجّعه على الاستقلال واللجوء للعلاج.
- تعلم أكثر عن الاضطراب: الفهم يقلل من الأحكام السلبية ويساعدك على تقديم الدعم الفعّال.
- ضع حدودًا واضحة: فهذا يحمي العلاقة ويمنع الانهاك العاطفي.
خاتمة
اضطراب الشخصية الحدية ليس حكماً بالإعدام النفسي، بل هو دعوة لفهم أعمق للذات ولمعنى المشاعر والعلاقات. التشخيص المبكر والعلاج المناسب يمكن أن يصنع فارقاً حقيقياً في حياة المصاب ومحيطه. بالتفهم والاحتواء والعلاج، يمكن للإنسان أن يتجاوز أصعب الانفعالات ويعيش حياة أكثر توازناً وارتياحاً.

لا تعليق