يُعدّ الاضطراب الوجداني ثنائي القطب من أكثر الاضطرابات النفسية عرضة للتشخيص الخاطئ، ليس بسبب غموضه فقط، بل بسبب طبيعته المتقلبة التي تجعل أعراضه تظهر وتختفي عبر الزمن. كثير من المرضى يقضون سنوات وهم يتلقون تشخيصات غير دقيقة أو علاجات غير مناسبة قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح. هذا التأخير قد يؤدي إلى تفاقم الأعراض، وزيادة عدد النوبات، وتعقيد مسار المرض على المدى الطويل.
طبيعة الاضطراب المتغيرة عبر الزمن
أحد الأسباب الجوهرية للتشخيص الخاطئ هو أن الاضطراب ثنائي القطب لا يظهر في صورة واحدة ثابتة. بل يتبدل بين نوبات مختلفة تفصل بينها فترات من الاستقرار النسبي، وقد لا يكون الشخص في نوبة واضحة وقت التقييم.
غياب الأعراض أثناء الفحص
في كثير من الأحيان، يزور الشخص الطبيب وهو في حالة مستقرة أو في نوبة اكتئاب فقط، دون وجود أي علامات واضحة للهوس أو الهوس الخفيف. هذا يجعل الصورة الإكلينيكية غير مكتملة، ويدفع الطبيب إلى تشخيص الاكتئاب الأحادي بدلًا من الاضطراب ثنائي القطب.
تشابه الأعراض مع اضطرابات أخرى
يتقاطع الاضطراب ثنائي القطب مع عدد كبير من الاضطرابات النفسية، ما يزيد من احتمالية الخطأ في التشخيص، خصوصًا في المراحل الأولى من المرض.
الخلط مع الاكتئاب أحادي القطب
أغلب المرضى يطلبون المساعدة خلال نوبات الاكتئاب، لأنها أكثر إيلامًا وإعاقة.
في هذه الحالة، قد يتم تشخيص الاكتئاب فقط، دون الانتباه إلى وجود نوبات هوس خفيف سابقة لم يتم الإبلاغ عنها أو لم تُلاحظ.
الخلط مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه
تشترك بعض أعراض الهوس الخفيف مع اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، مثل زيادة النشاط، تشتت الانتباه، والاندفاع.
هذا التشابه قد يؤدي إلى تشخيص خاطئ، خاصة لدى المراهقين وصغار السن.
ضعف الوعي بنوبات الهوس الخفيف
الهوس الخفيف يُعد من أكثر الأسباب الخفية للتشخيص الخاطئ، لأنه لا يبدو مرضيًا في كثير من الأحيان.
لماذا لا يُبلّغ المرضى عن الهوس الخفيف؟
كثير من الأشخاص ينظرون إلى فترات النشاط المرتفع، قلة النوم، أو الثقة الزائدة بالنفس على أنها حالات إيجابية أو إنتاجية.
نتيجة لذلك، لا يتم ذكر هذه الفترات للطبيب، مما يحجب أحد أهم مفاتيح التشخيص.
الاعتماد على الأعراض الحالية فقط
التشخيص الدقيق للاضطراب ثنائي القطب لا يعتمد على الحالة الحالية فقط، بل على التاريخ الزمني الكامل للمزاج.
عندما يركز التقييم على الأعراض الراهنة دون استكشاف الماضي، تصبح فرصة الخطأ أعلى.
أهمية التاريخ المرضي الطويل
عدم السؤال عن نوبات سابقة، أو عدم تتبع نمط المزاج عبر السنوات، يؤدي إلى صورة ناقصة.
وقد يتكرر هذا الخطأ خصوصًا في الزيارات القصيرة أو التقييمات السريعة.
تأثير الوصمة والخوف من التشخيص
بعض المرضى يتجنبون ذكر أعراض معينة خوفًا من الوصمة أو من تصنيفهم باضطراب نفسي شديد.
قد يُقلل الشخص من حدة أعراض الهوس أو ينكرها تمامًا، مما يُضلل عملية التشخيص.
الإنكار كآلية دفاعية
الإنكار قد يكون لا واعيًا، خاصة في حالات الهوس، حيث يشعر الشخص بأنه في أفضل حالاته ولا يرى أي مشكلة تستدعي العلاج.
نقص الخبرة أو التدريب المتخصص
ليس كل من يُجري التقييم النفسي لديه الخبرة الكافية للتعامل مع تعقيدات الاضطراب ثنائي القطب.
في بعض الحالات، يؤدي نقص التدريب المتخصص إلى الاعتماد على تشخيصات أكثر شيوعًا وأسهل.
الفرق بين التقييم العام والتقييم المتخصص
الطبيب المتخصص في الطب النفسي يكون أكثر قدرة على:
-
-
-
رصد أنماط المزاج المتقلبة.
-
التمييز بين النوبات المزاجية والاضطرابات الأخرى.
-
طرح أسئلة موجهة تكشف نوبات الهوس الخفيف المخفية.
-
-
تأثير العوامل الثقافية والاجتماعية
في بعض الثقافات، يتم تفسير تغيرات المزاج على أنها سمات شخصية أو تقلبات طبيعية، وليس كأعراض مرضية.
هذا التصور يقلل من فرص التوجه المبكر للتشخيص الصحيح.
دور الأسرة والمحيط
أحيانًا تفسر الأسرة سلوكيات الهوس على أنها اجتهاد زائد أو طموح مفرط، بينما تُهمل الإشارات التحذيرية.
غياب الملاحظات الخارجية يُضعف دقة التقييم السريري.
نتائج التشخيص الخاطئ
التشخيص غير الدقيق لا يقتصر ضرره على تأخير العلاج، بل قد يؤدي إلى استخدام أدوية غير مناسبة، مثل مضادات الاكتئاب وحدها، والتي قد تُحفّز نوبات هوس أو نوبات مختلطة.
الآثار المحتملة للتشخيص الخاطئ
-
-
-
زيادة شدة وتكرار النوبات.
-
تدهور الأداء الوظيفي والاجتماعي.
-
زيادة مخاطر الاندفاع أو السلوكيات الخطرة.
-
تأخر الاستقرار النفسي على المدى الطويل.
-
-
كيف يمكن تقليل أخطاء التشخيص؟
تقليل الأخطاء التشخيصية يتطلب تعاونًا بين الطبيب والمريض والأسرة، إضافة إلى تقييم شامل ومتكرر.
خطوات تساعد على التشخيص الصحيح
-
-
-
أخذ تاريخ مزاجي مفصل على مدى سنوات.
-
إشراك أحد أفراد الأسرة في التقييم عند الإمكان.
-
متابعة الحالة عبر الزمن وعدم الاكتفاء بزيارة واحدة.
-
توخي الحذر عند تشخيص الاكتئاب المتكرر دون سبب واضح.
-
-
خلاصة
يتم تشخيص الاضطراب الوجداني ثنائي القطب خطأً في كثير من الأحيان بسبب طبيعته المتقلبة، وتشابه أعراضه مع اضطرابات أخرى، وضعف الإبلاغ عن نوبات الهوس الخفيف. التشخيص الدقيق يحتاج إلى وقت، وخبرة، وتقييم شامل للتاريخ المزاجي، وليس مجرد الاعتماد على الأعراض الحالية. الوعي بهذه الأسباب يمثل خطوة أساسية نحو تشخيص مبكر وعلاج أكثر فعالية.

لا تعليق