لماذا نفقد السيطرة على مشاعرنا؟

هل سبق لك أن انفجرت في البكاء دون أن تعرف السبب؟ أو شعرت بالغضب فجأة بسبب موقف بسيط؟ أو اتخذت قرارًا متهورًا تحت تأثير مشاعر جارفة ثم ندمت لاحقًا؟
كلنا نمر بهذه اللحظات، لكن عندما تتكرر، وتؤثر على علاقاتنا، وصحتنا النفسية، واتخاذ قراراتنا، فربما نحتاج إلى التوقف وسؤال أنفسنا:
لماذا نفقد السيطرة على مشاعرنا؟ وكيف يمكننا استعادتها؟

في هذا المقال، نتناول علم تنظيم الانفعالات، وأسباب الانفلات العاطفي، ولماذا يكون البعض أكثر عرضة لفقدان السيطرة، وما الذي يمكن فعله لتحسين مهاراتنا في هذا الجانب الحيوي من الصحة النفسية.


ما هو تنظيم الانفعالات؟

تنظيم الانفعالات هو القدرة على:

      • التعرف على مشاعرنا

      • فهم أسبابها

      • التعبير عنها بطريقة صحية

      • تعديل شدتها وتأثيرها بطريقة تساعدنا على التكيّف بدل الانفجار

هو ليس كبتًا للمشاعر، بل هو إدارة لها، بحيث لا تقودنا هي، بل نختار نحن كيف نعبّر عنها ومتى.


لماذا نفقد السيطرة أحيانًا؟

1. الدماغ تحت الضغط

في حالات التوتر أو الخطر، يتحول الدماغ إلى وضع “النجاة”، ويصبح مركز الانفعالات (اللوزة الدماغية – amygdala) هو المسيطر، بينما يُضعف عمل الجزء المنطقي (الفص الجبهي).
النتيجة: ردود فعل انفعالية غير مدروسة.

2. نشأة غير داعمة للمشاعر

إذا نشأنا في بيئة ترفض أو تسخر من المشاعر (مثل “ما تبكِيش”، أو “دي مشاعر مالهاش لازمة”)، فإننا لا نتعلم كيف نتعامل مع الانفعال، بل نكتمه أو نخاف منه، إلى أن ينفجر لاحقًا.

3. تراكم مشاعر غير معالجة

المشاعر التي لا يتم الاعتراف بها أو التعبير عنها تبقى كامنة في اللاوعي، وتخرج في وقت غير متوقّع وبقوة أكبر.

4. اضطرابات نفسية مصاحبة

مثل اضطراب الشخصية الحدية، الاكتئاب، اضطرابات القلق، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، كلها تؤثر في القدرة على ضبط المشاعر.

5. الإجهاد والنوم والطعام

قلة النوم، وسوء التغذية، والإجهاد الجسدي، كلها تضعف قدرة الدماغ على التحكم الانفعالي.


ماذا يحدث في أجسامنا عندما نفقد السيطرة؟

عند فقدان السيطرة على الانفعالات، تحدث سلسلة تفاعلات عصبية وهرمونية:

      • زيادة ضربات القلب

      • تسارع التنفس

      • إفراز الأدرينالين والكورتيزول

      • إغلاق “مركز التفكير” وتفعيل “مركز القتال أو الهرب”

هذا يفسر لماذا نصيح، نغضب، أو نبكي قبل أن نفكر أو نُدرك ما يحصل.


هل فقدان السيطرة طبيعي؟

نعم، إلى حد معين. فالمشاعر جزء من الطبيعة البشرية، والانفلات العاطفي قد يحدث في مواقف حادة. لكن عندما يصبح هذا الفقدان متكرّرًا، ومؤثرًا على جودة الحياة، يصبح الأمر بحاجة إلى تدخل وفهم أعمق.


كيف نبدأ في استعادة السيطرة؟

(مبادئ تنظيم الانفعالات)

1. الوعي بالمشاعر

اسأل نفسك بصدق: “ماذا أشعر؟ ولماذا؟”
مجرد التسمية (“أنا غاضب”، “أنا محبط”) يفعّل مناطق التهدئة في الدماغ.

2. تأجيل رد الفعل

القاعدة الذهبية: لا تتصرف وأنت في قمة الانفعال.
خذ نفسًا عميقًا، غيّر مكانك، اشرب ماءً… ثم قرر.

3. التنظيم الجسدي للمشاعر

الجسد والعاطفة مرتبطان. رياضة بسيطة، تنفس بطني، أو حتى حمام دافئ يمكن أن يساعد في تهدئة الانفعال.

4. التعبير الصحي عن المشاعر

لا تكبت. بدلاً من ذلك، عبّر بطريقة مناسبة: بالكتابة، الحديث مع صديق، أو زيارة معالج.

5. التعلّم من التجربة

بعد كل موقف فقدت فيه السيطرة، اسأل: ماذا كنت أحتاج وقتها؟ كيف يمكن أن أتصرف بشكل أفضل في المرة القادمة؟


أدوات علمية وتقنيات فعّالة

      • العلاج السلوكي الجدلي (DBT): من أنجح الأساليب لتنظيم الانفعالات، خاصة في اضطرابات الشخصية.

      • العلاج المعرفي السلوكي (CBT): يساعد على تغيير الأفكار التي تغذي الانفعالات المفرطة.

      • اليقظة الذهنية (Mindfulness): تقنيات مثل التأمل والتركيز الواعي تحسّن التحكم العاطفي.

      • مراقبة اليوميات الانفعالية: سجل مشاعرك يوميًا لتلاحظ الأنماط وتفهم نفسك أكثر.


هل يمكننا الوصول إلى السيطرة الكاملة؟

ليس الهدف هو ألا نشعر، بل أن نشعر دون أن “نُبتلع” من المشاعر.
تنظيم الانفعالات هو مهارة، وكل مهارة تتحسّن مع التدريب، الصبر، والرحمة بالنفس.


خاتمة

فقدان السيطرة على المشاعر ليس علامة ضعف، بل علامة أن هناك شيئًا بداخلنا يحتاج إلى انتباه وفهم.
كلنا نختبر لحظات من الانفعال، لكن الأهم هو ألا نجلد أنفسنا، بل نتعلم كيف نعيد زمام الأمور تدريجيًا.
فهمنا لطبيعة الانفعالات، والطرق العلمية لتنظيمها، هو أول خطوة نحو حياة أكثر توازنًا وهدوءًا.

لا تعليق

اترك رد