هل شعرت يومًا أنك تعيش نفس المشكلة مع أشخاص مختلفين؟
هل تتكرر الخلافات بينك وبين الشريك أو الأهل أو الأصدقاء، وكأنك تدور في دائرة مغلقة؟
ربما تُغيّر من تتعامل معهم، أو تُحاول أن تكون أكثر مرونة أو صرامة، ومع ذلك تعود المشكلة ذاتها بثوب جديد…
في الحقيقة، ما يتكرر في علاقاتنا ليس دائمًا بسبب الآخرين، بل بسبب أنماط عاطفية داخلية غير مرئية نحملها معنا دون وعي.
في هذا المقال، سنغوص معًا في مفهوم الأنماط العاطفية، كيف تتكوّن، ولماذا تُعيد نفسها تلقائيًا، وكيف نكسر الحلقة لنبني علاقات أكثر وعيًا واتزانًا.
ما هي الأنماط العاطفية؟
الأنماط العاطفية هي طرائق تلقائية نشعر بها ونتصرّف بها في المواقف العاطفية، خصوصًا داخل العلاقات.
مثلًا:
-
-
-
هناك من ينسحب فور الشعور بالضغط.
-
وهناك من يغضب ثم يشعر بالذنب.
-
وآخرون يحتاجون إلى تأكيد دائم بأنهم محبوبون.
-
-
هذه الأنماط تتكوّن غالبًا في الطفولة أو التجارب العاطفية المبكرة، وتُصبح لاحقًا ردود فعل تلقائية نعيد تفعيلها دون وعي في علاقاتنا الراهنة.
لماذا تتكرر نفس المشاكل في علاقاتنا؟
لأننا لا نتعامل فقط مع الأشخاص، بل مع صدى الماضي داخلنا.
كل موقف عاطفي “يُشبه” ما عشناه سابقًا، يُفعل النمط القديم حتى لو تغير الزمان والمكان.
مثال:
فتاة نشأت في بيت لا يُقدّر مشاعرها. كلما عبّرت عن حزنها، قيل لها: “مفيش داعي تبكي، إنتِ بتبالغي.”
كبرت وأصبحت تخاف من إظهار مشاعرها في العلاقات، وتتحمل بصمت. لكنها تنفجر فجأة عندما يتجاهلها شريكها… ثم تشعر بالذنب لأنها “درامية”.
هي لا تعرف أن ما يتكرر ليس “عجزها عن السيطرة”، بل نمط عاطفي لم يُشفَ بعد.
أمثلة على الأنماط العاطفية المتكررة
1. نمط الهجر
الخوف المستمر من أن يتخلى عنك الطرف الآخر، حتى في غيابه المؤقت.
-
-
-
تظهر الغيرة، التعلق الزائد، أو نوبات الغضب غير المبررة.
-
تفسر الصمت أو الانشغال العادي على أنه “إهمال”.
-
-
2. نمط الناس المحبّين للصراع
ينجذبون دائمًا لعلاقات مليئة بالدراما والتحدي.
-
-
-
يشعرون بالملل في العلاقات المستقرة.
-
يبحثون لا شعوريًا عن إثبات الحب عبر المعاناة.
-
-
3. نمط المنقذ
يشعر أن قيمته تظهر فقط إذا أنقذ الآخر أو ساعده.
-
-
-
يدخل علاقات مع أشخاص يعانون فقط ليشعر بأنه مهم.
-
ثم يتعب ويشعر بالاستغلال.
-
-
4. نمط الانسحاب
يتجنّب التعبير عن المشاعر، ويغلق على نفسه عند أول خلاف.
-
-
-
يرى التواصل الصريح تهديدًا.
-
يخاف من التعلق أو القرب الزائد.
-
-
5. نمط الاسترضاء
يقول “نعم” دائمًا حتى لو كان يتأذى داخليًا.
-
-
-
يخاف من الرفض أو الفقد إذا أبدى رأيه.
-
يضحي بنفسه ليُرضي الآخر، ثم ينهار لاحقًا.
-
-
من أين تأتي هذه الأنماط؟
-
الطفولة المبكرة:
معظم أنماطنا العاطفية تنشأ في علاقتنا مع الوالدين أو من قام برعايتنا.-
-
إذا تم تجاهل مشاعرك، قد تتعلم أن “الصمت هو الأمان”.
-
إذا لم يُشبع احتياجك للأمان، قد تُبالغ في التعلق لاحقًا.
-
-
-
الصدمة العاطفية:
تجربة واحدة مؤلمة (مثل خيانة أو هجر) قد تؤسس لنمط دائم من الحذر أو العدوانية أو التعلق المفرط. -
المجتمع والثقافة:
بعض الأنماط تتكوّن بسبب رسائل مجتمعية مثل:-
-
“الرجال لا يعبّرون عن مشاعرهم.”
-
“لو اهتميتِ بنفسك تبقي أنانية.”
-
-
لماذا يصعب تغيير هذه الأنماط؟
لأنها مريحة… ومألوفة… حتى لو كانت مؤذية.
الدماغ يفضل “المعتاد” على “المجهول”، وبالتالي:
-
-
-
تكرر نفس السلوك لأنك تعرفه.
-
تنجذب لنفس النوع من الأشخاص لأنهم يفعّلون نفس النمط الذي اعتدت عليه.
-
تفسر المواقف بنفس الطريقة لأنك لم تتعلّم أن هناك خيارات أخرى.
-
-
كيف نكسر الحلقة؟
1. الوعي
ابدأ بملاحظة نفسك:
-
-
-
متى يتكرر نفس الصراع؟
-
ما الذي تشعر به دائمًا قبل أن تنفعل؟
-
هل هذا الشعور مألوف من قبل؟ متى كان أول مرة شعرت به؟
-
-
2. سجّل الأنماط
دوّن:
-
-
-
الموقف المتكرر
-
مشاعرك
-
رد فعلك
-
النتيجة
-
ماذا كنت تتمنى أن يحدث بدلًا من ذلك؟
-
-
3. تعلّم أن توقف الاستجابة التلقائية
لحظة الإدراك هي فرصة ذهبية للتغيير.
-
-
-
عندما تميل للانسحاب… ابقَ.
-
عندما تميل للهجوم… توقف وخذ نفسًا.
-
عندما تميل لإرضاء الكل… جرب قول “لا”.
-
-
4. اخلق مساحة جديدة للاستجابة
تعلم مهارات جديدة مثل:
-
-
-
التواصل الواضح
-
وضع الحدود
-
التعبير عن الاحتياجات دون لوم
-
-
5. اطلب الدعم النفسي إن احتجت
العمل على الأنماط الجذرية قد يحتاج إلى مساعدة مختص يفهمك ويوجهك.
مثال عملي
أنت دائمًا تشعر أن الشريك لا يقدّرك، حتى لو عبّر عن الحب.
فتبدأ بتصعيد الموقف، تطلب اهتمامًا زائدًا، ثم يشعر الآخر بالضغط ويبتعد.
فتشعر بأنك كنت على حق: “هو لا يحبني.”
والحقيقة أن نمطك هو من دفعك لهذا السيناريو.
لكن عندما تعي ذلك، يمكنك أن تقول:
“أنا الآن أشعر بعدم الأمان، وأحتاج أن أعبّر عن ذلك بطريقة صحية.”
وهكذا تبدأ في كسر النمط… لا إعادة تكراره.
خلاصة: الماضي يكرر نفسه… إن لم ننتبه
أن تتكرر نفس المشاكل لا يعني أنك فاشل في العلاقات.
بل قد يعني أنك ما زلت تسير على طريق لم تتوقف لتفهمه.
لا يمكنك تغيير ماضيك، لكن يمكنك فهمه… حتى لا تكرره.
ابدأ من اليوم بملاحظة أنماطك.
اكتبها، راقبها، جادلها، طوّرها.
وستُفاجأ كيف تتغير علاقاتك، فقط لأنك اخترت أن تتعامل مع نفسك بوعي جديد.

لا تعليق