اضطراب الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder – OCD) هو أحد أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً وإعاقةً في العالم، حيث يُصيب نحو 2-3% من سكان العالم في مرحلة ما من حياتهم. يتميز هذا الاضطراب بأفكار متسلطة مزعجة (الوساوس) تدفع المريض إلى تكرار سلوكيات أو أفعال ذهنية (القهريات) في محاولة لتقليل القلق الناتج عن تلك الوساوس. على الرغم من أن الأسباب متعددة العوامل (جينية، بيئية، نفسية)، فإن خللاً في كيمياء الدماغ – وبشكل خاص في نظام السيروتونين – يُعتبر من أبرز النظريات البيولوجية تفسيراً لهذا الاضطراب، وهو ما أدى إلى تطوير أدوية فعالة تعتمد على تعديل مستويات هذا الناقل العصبي.

ما هو السيروتونين وكيف يعمل في الدماغ؟

السيروتونين (5-hydroxytryptamine أو 5-HT) هو ناقل عصبي يتم تصنيعه في الدماغ انطلاقاً من الحمض الأميني التريبتوفان. يتم إنتاجه بشكل رئيسي في نوى الرافي (raphe nuclei) في جذع الدماغ، ثم ينتشر عبر مسارات طويلة إلى مناطق متعددة مثل القشرة الأمامية، النواة المذنبة، الجسم المخطط، واللوزة الدماغية (الأميغدالا).

وظائف السيروتونين متعددة وتشمل:

      • تنظيم المزاج والقلق والنوم والشهية.
      • تثبيط السلوكيات الاندفاعية.
      • المشاركة في دوائر “الفلترة” التي تسمح للدماغ بتصفية المعلومات غير المهمة ومنع تكرار الأفكار أو الأفعال غير الضرورية.

في الأشخاص الأصحاء، يساعد السيروتونين على “إيقاف” الدورات السلوكية بعد إتمامها. أما في مرضى الوسواس القهري، فيبدو أن هناك خللاً في هذه الآلية يؤدي إلى استمرار الدورات بشكل لا نهائي.

النظرية السيروتونينية للوسواس القهري: الأدلة العلمية

  1. فعالية مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) الأدوية الأكثر فعالية في علاج الوسواس القهري حتى اليوم هي مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية مثل فلوكستين (بروزاك)، سيرترالين (زولوفت)، باروكستين، فلوفوكسامين، وكلوميبرامين (الذي يثبط السيروتونين بقوة أكبر). هذه الأدوية تزيد من توافر السيروتونين في الشق التشابكي (synaptic cleft) عن طريق منع إعادة امتصاصه. الملاحظ أن الجرعات المطلوبة لعلاج الوسواس القهري أعلى بكثير من تلك المستخدمة في علاج الاكتئاب، وأن الاستجابة تتأخر عادة 8-12 أسبوعاً (مقارنة بـ 3-6 أسابيع في الاكتئاب)، مما يشير إلى أن التأثير ليس فقط على المزاج بل على آليات أعمق في دوائر الدماغ.
  2. دراسات التصوير الدماغي أظهرت دراسات التصوير بالإصدار البوزيتروني (PET) انخفاضاً في ربط مستقبلات السيروتونين من نوع 5-HT2A و5-HT1B في مناطق القشرة الأمامية الحزامية والجسم المخطط لدى مرضى الوسواس القهري. كما أظهرت دراسات أخرى زيادة نشاط في الدائرة القشرية-المخططية-المهادية-القشرية (cortico-striato-thalamo-cortical circuit)، وهي الدائرة نفسها التي تتحسن مع العلاج بـ SSRIs.
  3. التحديات الدوائية (Challenge studies) عند إعطاء مرضى الوسواس القهري مواد تقلل مؤقتاً من السيروتونين (مثل m-CPP أو تريبتوفان depletion)، تزداد حدة الأعراض بشكل ملحوظ، بينما لا تحدث استجابة مماثلة لدى الأشخاص الأصحاء أو مرضى اضطرابات أخرى.
  4. الدراسات الجينية تم ربط بعض المتغيرات الجينية في جين نقل السيروتونين (SLC6A4) وفي مستقبلات 5-HT2A و5-HT2C بزيادة مخاطر الإصابة بالوسواس القهري، رغم أن التأثير الجيني معتدل نسبياً.

الدوائر الدماغية المعنية وكيف يؤثر نقص نشاط السيروتونين

المناطق الرئيسية المسؤولة عن أعراض الوسواس القهري هي:

      • القشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex): مسؤولة عن كشف الأخطاء والشعور بأن “شيئاً غير صحيح”.
      • القشرة المدارية الأمامية (Orbitofrontal Cortex): تقييم المخاطر والمكافآت.
      • الجسم المخطط (Caudate Nucleus) والنواة المذنبة: فلترة الأفكار والسلوكيات.
      • المهاد (Thalamus): بوابة المعلومات الحسية.

في الحالة الطبيعية، يعمل السيروتونين على تثبيط النشاط المفرط في هذه الدائرة. عندما يكون نشاط السيروتونين منخفضاً أو غير فعال، يحدث فرط نشاط في الدائرة، فيشعر المريض بقلق مستمر ويضطر لتكرار السلوكيات لتخفيف ذلك الشعور، لكن التخفيف يكون مؤقتاً فقط، مما يعزز الدورة.

هل السيروتونين هو السبب الوحيد؟

بالطبع لا. النظرية السيروتونينية ليست كاملة، وهناك أدلة متزايدة على دور ناقلات عصبية أخرى:

      • الدوبامين: فرط نشاطه في الجسم المخطط قد يفسر بعض أعراض التكرار.
      • الغلوتامات: خلل في نظام الغلوتامات (خاصة في الدائرة القشرية-المخططية) أصبح هدفاً لأدوية جديدة مثل الميمانتين وريلوزول.
      • GABA والنورأدرينالين.

كما أن هناك أدلة على دور الالتهاب العصبي، اضطراب المناعة الذاتية (مثل PANDAS)، والعوامل البيئية (التوتر، الصدمات).

العلاجات الحديثة المبنية على فهم دور السيروتونين

  1. الأدوية:
    • SSRIs بجرعات عالية (مثل 60-80 مجم فلوكستين يومياً).
    • كلوميبرامين (لا يزال يُعتبر الدواء الذهبي في بعض الحالات المقاومة).
    • تعزيز SSRIs بمضادات ذهان غير نمطية (ريسبيريدون، أريبيبرازول) التي تؤثر أيضاً على مستقبلات السيروتونين.
  2. العلاج السلوكي المعرفي (CBT) مع التعرض ومنع الاستجابة (ERP): يغير فعلياً نشاط الدائرة القشرية-المخططية، وأظهرت دراسات التصوير أنه يؤدي إلى تطبيع استقلاب الغلوكوز في هذه المناطق، تماماً كما تفعل SSRIs.
  3. التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS) والتحفيز العميق للدماغ (DBS): يستهدف مناطق محددة في الدائرة ويؤثر بشكل غير مباشر على إطلاق السيروتونين.

الخلاصة

على الرغم من أن اضطراب الوسواس القهري اضطراب معقد متعدد العوامل، فإن الخلل في نظام السيروتونين يبقى الركيزة البيولوجية الأكثر وضوحاً ونجاحاً في التفسير والعلاج حتى اليوم. نجاح أدوية SSRIs منذ الثمانينيات، والأدلة المتراكمة من التصوير الدماغي والدراسات الجينية والدوائية، كلها تؤكد أن تعديل نشاط السيروتونين في الدوائر القشرية-المخططية-المهادية هو مفتاح فهم وعلاج هذا الاضطراب المؤلم. مع ذلك، فإن مستقبل العلاج يكمن في الجمع بين التدخلات الدوائية والسلوكية والتقنيات العصبية الحديثة لتحقيق أعلى نسب الشفاء، وتجاوز فكرة أن “نقص السيروتونين وحده” هو السبب إلى فهم أشمل لشبكات الدماغ المعقدة التي تحكم سلوكنا وأفكارنا.

لا تعليق

اترك رد