في مجتمعاتنا، نُربّى غالبًا على تصنيف المشاعر: الفرح مقبول، الحزن ضعف، الغضب قلة تربية، والخوف جبن. هذا التقييم المستمر للمشاعر يجعلنا نتعامل معها كأنها أعداء يجب قمعها أو الهروب منها. لكن الحقيقة النفسية والعلمية تقول شيئًا مختلفًا تمامًا: المشاعر كلها ضرورية، ولا يوجد شعور “خطأ” في ذاته.
في هذا المقال، سنتعرّف على أهمية قبول المشاعر بمختلف أشكالها، ولماذا الكبت لا يؤدي إلى الشفاء بل إلى الألم المضاعف. سنتناول أيضًا أمثلة واقعية توضح الفرق بين من يقبل مشاعره ويُديرها، ومن يحاربها حتى الإنهاك.
ما هي المشاعر؟ ولماذا وُجدت؟
المشاعر ليست عبئًا أو خللًا. إنها نظام إنذار داخلي يساعدك على التفاعل مع بيئتك. كل شعور يحمل رسالة:
-
-
-
الخوف يحذّرك من الخطر.
-
الغضب يُنبهك أن هناك حدودًا تمّ تجاوزها.
-
الحزن يُشير إلى فقد أو حاجة غير مشبعة.
-
الفرح يُكافئك حين تتصل بما تحب.
-
الذنب يُذكّرك بقيمك وأفعالك.
-
-
المشكلة ليست في الشعور، بل في طريقتنا في تفسيره أو الاستجابة له.
متى تصبح المشاعر مؤذية؟
تصبح المشاعر مرهقة عندما:
-
-
-
نحكم عليها ونكبتها (“ما ينفعش أعيط”، “أنا لازم أكون قوي”).
-
نتجاهلها باستمرار (“مش مهم، أنا تمام”).
-
ننفجر بها دون وعي أو تنظيم.
-
-
في كل هذه الحالات، لا نُعبّر عن المشاعر بشكل صحي، بل نُخزّنها أو نفرغها بشكل مؤذٍ. وهذا يؤدي إلى:
-
-
-
نوبات قلق أو اكتئاب
-
مشاكل جسدية (صداع، توتر عضلي، اضطرابات نوم)
-
علاقات سامة أو غير متوازنة
-
-
المشاعر المكبوتة لا تموت
قد تظن أنك نجحت في “الهروب من الحزن” أو “كتم الغضب”، لكن ما يحدث في الواقع هو أن هذه المشاعر تتراكم في الداخل وتُصبح أكثر شراسة.
تمامًا مثل البخار داخل إناء مغلق: إن لم تفتحه برفق، سينفجر.
🔹 مثال واقعي:
سامي كان يُخفي مشاعر الإحباط من عمله لسنوات. لم يكن يشتكي، ولم يُظهر استياءً. لكنه في أحد الأيام صرخ على زميله لأسباب تافهة. لم يكن السبب الحقيقي تلك اللحظة، بل سنوات من الكبت.
قبول المشاعر لا يعني الاستسلام لها
قبول المشاعر هو أن تقول لنفسك:
“أنا حزين الآن، وهذا طبيعي”، أو
“أنا غاضب، وده له سبب أحتاج أفهمه”، أو
“أنا خايف، ومش لازم أكره خوفي علشان أحس إني قوي.”
لكن هذا لا يعني أن نغرق فيها.
القبول هو الخطوة الأولى التي تتيح لك التعامل معها. كأنك تضيء مصباحًا في غرفة مظلمة: أخيرًا ترى ما بداخلها.
لماذا نقبل بعض المشاعر ونرفض الأخرى؟
غالبًا بسبب التنشئة والمجتمع:
-
-
-
البنت اللي بتعيط كتير يقولوا عنها “درامية”.
-
الولد اللي بيخاف يقولوا له “راجل وعيب تبكي”.
-
اللي بيزعل بسرعة يُوصَف بأنه “حساس زيادة”.
-
-
هذه الأحكام تجعلنا نُربّى على الخجل من مشاعرنا، فنبدأ نُخفيها حتى عن أنفسنا.
ما الفرق بين الشخص الذي يقبل مشاعره ومن لا يفعل؟
💬 مثال 1:
سارة فقدت والدها.
-
-
-
لم تحاول كبت حزنها. سمحت لنفسها بالبكاء، والحديث مع من تحب، وطلب الدعم النفسي.
-
بعد شهور، بدأت تستعيد توازنها بهدوء.
-
-
مها فقدت والدها أيضًا.
-
-
-
دفنت حزنها، وقالت: “أنا قوية ومش هعيط”.
-
بعد عام، أصابها اضطراب نوم واكتئاب خفي، وبدأت تفقد شغفها بكل شيء.
-
-
💬 مثال 2:
أحمد تعرض لخيانة من شريكه.
-
-
-
شعر بالغضب والانهيار، وبدأ يكتب في دفتره ويتحدث مع صديق موثوق.
-
خلال أشهر، تعلّم من التجربة، وخرج منها بأقل الأضرار.
-
-
كريم تعرّض لنفس الخيانة.
-
-
-
قرر “ينسى بسرعة” ويدخل علاقة جديدة.
-
بعد فترة، بدأ يتصرّف بغيرة مفرطة وخوف من الهجر… لأنه لم يُعالج مشاعره القديمة.
-
-
كيف تبدأ في قبول مشاعرك؟ خطوات عملية
1. سَمِّ ما تشعر به
بدل أن تقول “أنا مضايق”، قل:
-
-
-
“أنا حاسس بالخذلان”
-
“أنا متوتر لأن عندي مقابلة مهمة”
-
“أنا غاضب لأني لم أُسمَع”
-
-
2. اكتب مشاعرك دون رقابة
جرّب الكتابة الحرة: كل صباح، اكتب كل ما تشعر به دون ترتيب أو رقابة.
هذه العادة تُساعدك على رؤية مشاعرك بوضوح.
3. تحدّث إلى شخص موثوق
مجرد الحديث عن مشاعرك مع شخص داعم، دون أن يُقلّل منها أو يُعطيك حلولًا، يُخفف من حدتها.
4. راقب مشاعرك دون اندماج
تخيّل أنك تشاهد مشاعرك على شاشة. راقبها دون أن تدخل فيها.
قل: “أنا الآن أشعر بالقلق، لكنني لست القلق نفسه. أنا أكبر من مشاعري.”
خرافات شائعة عن المشاعر
-
-
-
❌ “لو عبرت عن مشاعرك، الناس هتستغلك.”
✅ لا أحد يستطيع استغلالك إذا كنت واعيًا بمشاعرك وتعرف حدودك. -
❌ “لو حزنت، عمري ما هقوم تاني.”
✅ الحزن مثل الموجة. إذا سمحت له أن يمرّ، سينحسر تدريجيًا. -
❌ “الغضب غلط ولازم أتخلص منه.”
✅ الغضب الصحي يحميك. المهم أن تُعبّر عنه دون أذى.
-
-
خاتمة: مشاعرك جزء منك… لا تحاربها
حين تبدأ في قبول كل شعور يمر بك، ستكتشف أن المشاعر ليست عدوك، بل مرشدك.
كل شعور هو معلومة، وكل معلومة تقرّبك من فهم نفسك ومن التعافي.
المشاعر لا تُدمّرنا… لكن الهروب منها هو ما يدمّرنا.
كن لطيفًا مع نفسك. افتح مساحة للشعور، ثم للمراجعة، ثم للاختيار.
فأنت لست مضطرًا أن تنفجر لتعبّر، ولا أن تتجمّد كي لا تؤذي.
أنت قادر أن تشعر… وتنجو.

لا تعليق