العلاقات العاطفية تُفترض أن تكون ملاذًا نشعر فيه بالأمان والانتماء.
لكن، بالنسبة للبعض، قد تتحوّل العلاقة إلى مصدر قلق مستمر بسبب خوف دفين من الهجر أو الفقد.
هذا الخوف لا يكون دائمًا ظاهرًا بوضوح، بل يتسلّل خلسة إلى التصرفات والمشاعر… ويُفسد العلاقة ببطء.

في هذا المقال، سنتناول ما هو الخوف من الهجر؟، كيف ينشأ؟، ما علاماته؟، وكيف يؤثر على العلاقات العاطفية؟ ثم نختم بـ استراتيجيات للتعامل معه بوعي ونضج.

 ما هو الخوف من الهجر؟

الخوف من الهجر هو قلق داخلي دائم بأن الشخص الذي نحبه سيبتعد، ينسحب، أو يرفضنا في أي لحظة.
وقد يظهر هذا الخوف حتى في علاقات تبدو مستقرة وآمنة، لأنه غالبًا لا يرتبط بالحاضر… بل بجروح الماضي.

 من أين يأتي هذا الخوف؟

1. تجارب الطفولة

      • غياب أحد الأبوين (بالسفر، الطلاق، الموت).

      • الإهمال العاطفي أو عدم الاستجابة للاحتياجات النفسية.

      • الشعور بعدم الأمان في البيت.

2. علاقات سابقة مؤلمة

      • التعرض للخذلان أو الخيانة.

      • انتهاء علاقات بشكل مفاجئ دون تفسير.

3. نمط التعلق القلق

وفقًا لنظرية التعلق (Attachment Theory)، فإن الشخص الذي نشأ على تذبذب في الحب أو الاستجابة من المحيطين به، يطور أسلوب تعلق قلق، يجعله يخشى دائمًا أن يُترك.

 كيف يظهر الخوف من الهجر في العلاقات؟

الخوف من الهجر لا يعلن عن نفسه بوضوح، بل يختبئ خلف أنماط سلوكية مثل:

1. التعلق الزائد

      • طلب مستمر للتأكيد: “لسه بتحبني؟”

      • القلق إذا تأخر الطرف الآخر في الرد.

      • الشعور بالتهديد من أبسط تغيّر في نبرة الصوت أو المزاج.

2. الغيرة المفرطة

      • الشك الدائم.

      • تفسير أي تصرف بسيط كعلامة على خيانة قادمة.

3. الاحتياج العاطفي المستمر

      • مطالب مستمرة بالاهتمام والمواساة.

      • الشعور بالإهانة إذا لم يُلبّ الطرف الآخر الاحتياج فورًا.

4. المبالغة في ردود الفعل

      • نوبات غضب أو انسحاب مباغت خوفًا من أن “يُترك”.

      • “الاختبار”: افتعال مواقف لمعرفة إذا كان الآخر سيبقى أم لا.

5. التضحية المفرطة

      • محاولة إرضاء الطرف الآخر بشكل مبالغ فيه فقط لتجنب الفقد.

      • تجاهل الذات والموافقة على كل شيء خوفًا من الانسحاب.

 كيف يؤثر هذا الخوف على العلاقة؟

      • يخلق توترًا دائمًا: العلاقة تتحوّل إلى ساحة اختبارات، لا مساحة أمان.

      • يُرهق الطرف الآخر: لأن أي غياب أو انشغال يُقابل بانفعال زائد.

      • يُغذي نبوءة الفقد: الشخص الخائف من الهجر يتصرف بطريقة قد تدفع الآخر فعليًا للابتعاد.

      • يمنع التقرّب الحقيقي: لأن الطرف الخائف من الهجر يُظهر وجهًا قلِقًا، لا ذاته الحقيقية.

الخوف من الهجر يُعطّل الحب… لأنه يخلط بين التعلق والسيطرة، وبين الحب والاحتياج.

كيف أتعامل مع خوفي من الهجر؟

1. اعترف بالخوف ولا تنكره

      • اكتب مشاعرك.

      • تحدث مع نفسك بصدق: “أنا خائف أن يُتركني من أحب… لماذا؟ ومتى شعرت بهذا سابقًا؟”

2. افصل بين الماضي والحاضر

      • الشريك الحالي ليس والدك الغائب أو حبيبك الذي خانك سابقًا.

      • لا تخلط الذكريات القديمة بالواقع الحالي.

3. طوّر الأمان الداخلي

      • اهتم بذاتك وهويتك خارج العلاقة.

      • اسأل نفسك: من أنا بعيدًا عن هذه العلاقة؟ ماذا أحب؟ ما الذي يسعدني وحدي؟

4. تواصل بصدق بدلًا من التلميح

      • بدلًا من أن تغضب حين يغيب شريكك، قل:

“أنا أحيانًا بخاف من البُعد، وبيكون صعب عليا أقاوم الإحساس ده… ممكن تطمّني؟”

5. احترم المساحة

      • القرب لا يعني التماهي الكامل.

      • تَعلَّم أن الحب لا يُقاس بعدد الرسائل أو طول المكالمات.

6. اطلب المساعدة إذا لزم الأمر

      • الجروح القديمة قد تحتاج لمختص نفسي لمساعدتك على فهمها وتجاوزها.

 جملة تلخص كل شيء:

الخوف من الهجر لا يُعالج بالتشبّث… بل بالوعي، والثقة، وبناء الأمان من الداخل أولًا.

 خلاصة:

      • الخوف من الهجر هو خوف قديم… لكنه قابل للفهم والتغيير.

      • لا تجعل خوفك يُدير علاقتك بدلًا منك.

      • لا يوجد حب حقيقي دون حرية، ولا حرية دون أمان.

      • تواصل بصدق، اسمح بالمساحة، وذكّر نفسك: أنت جدير بالبقاء… دون أن تتوسّله.

لا تعليق

اترك رد