مقدمة لفهم الاضطراب
الاضطراب ثنائي القطب هو حالة نفسية معقدة تجمع بين نوبات من الارتفاع الحاد في المزاج والطاقة تُعرف بالهوس، ونوبات أخرى من الانخفاض العميق في المزاج تُعرف بالاكتئاب. وعلى عكس الاعتقاد الشائع، فهو ليس مجرد تقلب مزاجي طبيعي أو استجابة عاطفية مبالغ فيها، بل هو اضطراب بيولوجي يمسّ طريقة عمل الدماغ ويؤثر في نمط التفكير، نوعية النوم، مستوى النشاط، وطريقة التواصل مع الآخرين. يعيش المصاب حالة من التذبذب بين حالتين نفسيّتين متطرفتين، وقد تمر فترات من الاستقرار بينهما، وكل ذلك يترك أثرًا كبيرًا في حياته اليومية.
طبيعة الاضطراب وخصائصه
تظهر نوبات الهوس بشكل واضح لدى المصاب، إذ يشعر بطاقة مفرطة وقدرة غير معتادة على الإنجاز، ويبدو كثير الكلام، سريع الحركة، مفعمًا بالأفكار. قد يشعر بأن لديه قدرة خاصة أو بأن الفرص متاحة له بلا حدود، فيتصرف أحيانًا باندفاع أو مخاطرة غير محسوبة. ورغم أن هذه الحالة قد تبدو إيجابية في بدايتها، إلا أنها قد تحمل مخاطر مالية وسلوكية وعملية. أما نوبات الاكتئاب فتأتي بشكل معاكس تمامًا، حيث تغدو الحياة بطيئة وثقيلة، ويشعر الشخص بانعدام الطاقة وفقدان المتعة وصعوبة الحركة أو التفكير، ويغلب عليه الإحباط أو الشعور بالذنب، وقد تمتد النوبة لأسابيع أو شهور، مما يؤثر على الدراسة أو العمل أو العلاقات.
الأسباب والعوامل المؤثرة
تشير الأدلة العلمية إلى أن الاضطراب ثنائي القطب ينتج من تفاعل معقد بين الوراثة والبيئة والدماغ. إذ وجد أن وجود تاريخ عائلي للمرض يزيد من احتمال الإصابة بشكل كبير، مما يدل على وجود دور جيني واضح. كما تلعب اضطرابات النواقل العصبية دورًا محوريًا في ظهور النوبات، خاصة الاضطرابات المرتبطة بالدوبامين والسيروتونين، وهي مواد كيميائية مسؤولة عن تنظيم المزاج والاندفاع. إضافة إلى ذلك، فإن التعرض لصدمات نفسية في الطفولة، الضغوط الحياتية الشديدة، التغيرات الهرمونية، وتعاطي المواد المخدرة قد تسهم كلها في تحفيز ظهور المرض أو زيادة تفاقمه. ولا يقلّ اضطراب النوم أهمية، فهو أحد أكثر المسببات التي قد تدفع المريض للدخول في نوبة هوس أو اكتئاب.
تجارب المصاب بين الهوس والاكتئاب
يمر المصاب خلال نوبات الهوس بمرحلة يشعر فيها وكأنه في قمة العالم، إذ تزداد ثقته بنفسه، تنطلق أفكاره بسرعة، ويبدو ممتلئًا بالحماس والمبادرات، لكنه غالبًا لا يلاحظ أن اندفاعه قد يسبب له لاحقًا متاعب كبيرة. الكثيرون يتخذون في هذه المرحلة قرارات مالية متهورة، أو يدخلون في علاقات غير مستقرة، أو يتصرفون بطرق لا تبدو منطقية. وعلى الجانب الآخر، تأتي نوبات الاكتئاب لتسلب المريض القدرة على الاستمتاع بأبسط الأمور، ويغدو عاجزًا حتى عن أداء مهامه اليومية. وقد يشعر بأن الحياة بلا معنى، وأنه غير قادر على مواجهة أبسط الضغوط، مما يجعل الاكتئاب ثنائي القطب من أكثر أنواع الاكتئاب شدة وتعقيدًا.
تشخيص الاضطراب وثقافة الخلط الشائع
تشخيص الاضطراب ثنائي القطب ليس بالأمر البسيط، إذ يعتمد على متابعة دقيقة لتاريخ النوبات، وتتبع التغيرات المزاجية، وفهم السياق العام لحياة المريض. الكثير من المصابين يُشخّصون خطأ على أنهم يعانون من اكتئاب فقط، لأنهم يلجأون إلى الطبيب خلال نوبة الاكتئاب دون ذكر الفترات التي مروا فيها بزيادة النشاط. وفي حالات أخرى يتم الخلط بينه وبين اضطرابات مثل اضطراب الشخصية الحدية أو فرط النشاط، لذلك يعتمد التشخيص الدقيق على طبيب نفسي لديه خبرة في فهم الفروق الدقيقة بين هذه الحالات. التشخيص لا يعتمد على تحاليل مخبرية، بل على التاريخ المرضي والمقابلة الإكلينيكية والملاحظة الدقيقة.
العلاج وإدارة الحالة على المدى الطويل
لا يهدف علاج الاضطراب ثنائي القطب إلى “إطفاء” شخصية المريض أو إلغاء مشاعره، بل إلى مساعدته في استعادة التوازن ومنع النوبات من السيطرة على حياته. يعتمد العلاج على مثبتات المزاج التي تُعد أساس السيطرة على المرض، إضافة إلى بعض الأدوية الداعمة مثل مضادات الذهان الحديثة التي تُستخدم أثناء نوبات الهوس. ويُعطى مضاد الاكتئاب بحذر شديد كي لا يؤدي إلى قلب الحالة إلى هوس. كما يلعب العلاج النفسي دورًا أساسيًا في تعليم المريض كيفية إدارة الضغوط، وتنظيم العاطفة، وتحسين العلاقات، وفهم العلامات المبكرة لاضطراب المزاج. ويعتبر تنظيم نمط الحياة جزءًا أساسيًا من نجاح العلاج، بدءًا من النوم المنتظم، مرورًا بالرياضة والغذاء الصحي، وانتهاءً بتجنب المنبهات والمخدرات.
هل يمكن للمريض أن يعيش حياة طبيعية؟
على عكس ما يعتقد البعض، يمكن للمصاب بالاضطراب ثنائي القطب أن يعيش حياة كاملة ومستقرة إذا التزم بالعلاج وتابع حالته بانتظام. فالكثير من المصابين يعيشون حياة ناجحة، يصلون فيها إلى مستويات عالية من الإنجاز، خاصة عندما يفهمون مرضهم ويتحكمون فيه بدلًا من أن يسيطر عليهم. إن التعايش مع ثنائي القطب يشبه التعايش مع أي مرض مزمن مثل السكري أو الضغط؛ يحتاج إلى متابعة، تنظيم، ووعي، لكنه لا يعني نهاية الحياة أو فقدان القدرة على النجاح. ومع انخفاض الوصمة وازدياد المعرفة، بات المصابون يجدون دعمًا أكبر ومحيطًا أكثر تفهمًا، مما يمنحهم فرصة أفضل للاستقرار والنمو.

لا تعليق