يُعدّ اضطراب المزاج الدوري أو السيكلوثيميا (Cyclothymia) من الاضطرابات المزاجية التي تقع ضمن طيف الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، لكنه يُعتبر شكلًا أخف من حيث الشدة وحدّة الأعراض. وعلى الرغم من كونه أقل تطرفًا من نوبات الهوس والاكتئاب الكاملة، إلا أنه اضطراب مزمن يترك أثرًا واضحًا على حياة الفرد اليومية، وقد يتحول مع الوقت إلى اضطراب ثنائي القطب إذا لم تتم إدارته بكفاءة.

في هذا المقال، سنستعرض بشكل مفصل ماهية هذا الاضطراب، وأعراضه، وأسبابه، وتأثيره على حياة المصاب، وطرق التعامل معه.

أولًا: تعريف اضطراب المزاج الدوري (Cyclothymia)

اضطراب المزاج الدوري هو اضطراب مزاجي مزمن يتميز بتقلبات مستمرة بين أعراض هوس خفيف (Hypomania) وأعراض اكتئاب خفيف، دون الوصول إلى الشدة الكاملة لنوبات الاضطراب الوجداني ثنائي القطب.
هذه التقلبات تكون أقل حدة لكنها طويلة المدى، وقد تستمر لسنوات، مما يجعل الشخص يعيش في دائرة مستمرة من عدم الاستقرار النفسي.

خصائص السيكلوثيميا:

      • تقلبات مزاجية مستمرة وغير مستقرة.

      • نوبات خفيفة من النشاط الزائد يليها نوبات خفيفة من الانخفاض.

      • الأعراض لا تصل إلى المستوى التشخيصي للهوس أو الاكتئاب الكامل.

      • تستمر الحالة عادة لمدة عامين أو أكثر (وسنة واحدة فقط لدى الأطفال والمراهقين).

ثانيًا: أعراض اضطراب المزاج الدوري

تتراوح أعراض السيكلوثيميا بين مستويين من المزاج:

1. أعراض الهوس الخفيف (Hypomanic Symptoms)

تكون الأعراض أقل حدة من الهوس الكامل، لكنها تؤثر بشكل ملحوظ على السلوك والحياة اليومية، وتشمل:

      • زيادة في الطاقة والنشاط.

      • قلة الحاجة إلى النوم.

      • ثقة عالية بالنفس تصل أحيانًا إلى الاندفاع.

      • سرعة الكلام وكثرة الأفكار.

      • سهولة التشتت وصعوبة التركيز.

      • زيادة الانخراط في الأنشطة الاجتماعية أو الخطرة بشكل غير محسوب.

2. أعراض الاكتئاب الخفيف (Mild Depressive Symptoms)

على الجانب الآخر، قد يمر المصاب بفترات من الانخفاض المزاجي تشمل:

      • شعور بالحزن أو الإحباط لفترات طويلة.

      • انخفاض الطاقة والتعب المستمر.

      • فقدان الشغف بالأنشطة اليومية.

      • صعوبة التركيز واتخاذ القرار.

      • اضطرابات النوم (أرق أو نوم مفرط).

      • تراجع في الأداء المهني أو الدراسي.

طبيعة التقلبات:

      • قد تستمر كل فترة من أيام إلى أسابيع.

      • تُكرر على مدار سنوات دون انقطاع طويل.

      • لا توجد فترات استقرار مزاجي طويلة كما يحدث في الاضطرابات الأخرى.

ثالثًا: أسباب اضطراب المزاج الدوري

على الرغم من عدم وجود سبب واضح محدد، فإن مجموعة من العوامل تلعب دورًا في ظهوره:

1. العوامل الجينية

      • وجود تاريخ عائلي للاضطراب الوجداني ثنائي القطب يزيد من احتمالية الإصابة.

2. العوامل البيولوجية

      • اضطرابات في الناقلات العصبية مثل السيروتونين والدوبامين.

3. العوامل النفسية

      • التعرض لضغوط كبيرة أو صدمات نفسية متكررة.

4. عوامل البيئة والأسرة

      • عدم الاستقرار الأسري أو ضغوط الحياة المستمرة قد يعزز ظهور الأعراض.

رابعًا: تأثير السيكلوثيميا على الحياة اليومية

اضطراب المزاج الدوري لا يُسبب أزمات حادة مثل الهوس الكامل، لكنه يخلق حالة مستمرة من تأرجح المزاج قد تؤثر على:

      • العمل: تقلب الأداء المهني بشكل غير متوقع.

      • الدراسة: صعوبة الحفاظ على مستوى ثابت من التركيز والتحصيل.

      • العلاقات: عدم الاستقرار العاطفي قد يؤدي إلى خلافات متكررة.

      • القرارات: الاندفاع في فترات النشاط والتردد في فترات الانخفاض.

      • الصحة النفسية: زيادة احتمالات تطور اضطراب ثنائي القطب من النوع الأول أو الثاني.

خامسًا: التشخيص

التشخيص يتطلب:

      • متابعة الأعراض لمدة لا تقل عن عامين (أو عام واحد للمراهقين).

      • تأكد من أن الأعراض ليست نتيجة أدوية أو مواد مخدرة.

      • استبعاد الاضطرابات المزاجية الأخرى.

      • إجراء مقابلات نفسية مفصلة مع متخصص.

سادسًا: العلاج وإدارة الاضطراب

رغم أن السيكلوثيميا اضطراب مزمن، إلا أنه قابل للإدارة بفعالية من خلال:

1. العلاج الدوائي

      • مثبتات المزاج مثل الليثيوم.

      • أدوية مضادة للقلق عند الحاجة.

      • تجنب مضادات الاكتئاب كعلاج منفرد لأنها قد تزيد نوبات الهوس الخفيف.

2. العلاج النفسي

      • العلاج السلوكي المعرفي (CBT): لتغيير أنماط التفكير والسلوك.

      • العلاج الجدلي السلوكي (DBT): لتنظيم الانفعالات.

      • العلاج الأسري: لفهم طبيعة الاضطراب ودعم المصاب.

3. نمط الحياة والوقاية

      • تنمية نمط نوم منتظم.

      • تجنب المنبهات الزائدة والكحول.

      • ممارسة الرياضة بانتظام.

      • متابعة الأعراض وكتابة يوميات المزاج.

سابعًا: خلاصة

اضطراب المزاج الدوري ليس اضطرابًا حادًا لكنه اضطراب مزمن يحتاج إلى فهم وإدارة مستمرة. التقلبات المزاجية التي يمر بها الشخص قد تبدو “خفيفة” مقارنة بثنائي القطب، لكنها تؤثر على جودة الحياة بشكل عميق. التشخيص المبكر والعلاج المناسب يمكن أن يساعدا في تحسين الاستقرار النفسي ومنع تطور الاضطراب إلى مستويات أكثر خطورة.

لا تعليق

اترك رد