اضطراب الشخصية الحدية: فهم التقلبات العاطفية الحادة

الحياة العاطفية الطبيعية تحمل بطبيعتها قدرًا من التقلّب، لكن عندما تصبح هذه التقلّبات مفرطة وشديدة وغير مفهومة، فإنها قد تشير إلى اضطراب نفسي عميق.
اضطراب الشخصية الحدية (Borderline Personality Disorder – BPD) هو أحد أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا، حيث يعيش المصاب به في دوامة من المشاعر الحادة، والعلاقات المتقلبة، وصراع داخلي مرهق قد لا يُرى بالعين المجردة.

في هذا المقال، نستعرض فهمًا أعمق لتقلبات المزاج العاطفية في اضطراب الشخصية الحدية: لماذا تحدث؟ كيف يشعر بها المصاب؟ وكيف يمكن التعامل معها؟


ما هو اضطراب الشخصية الحدية؟

اضطراب الشخصية الحدية هو اضطراب نفسي يؤثر في طريقة تفكير الفرد عن نفسه والآخرين، ويتميز بـ:

      • انفعالات شديدة ومتقلبة

      • صعوبة في ضبط المشاعر

      • اندفاعية

      • صورة غير مستقرة عن الذات

      • خوف عميق من الهجر

      • علاقات غير مستقرة

لكن أكثر ما يميز هذا الاضطراب هو ما يُعرف بـالتقلّب العاطفي الحاد، والذي سنسلّط عليه الضوء بشكل خاص.


ما المقصود بالتقلبات العاطفية الحادة؟

هي تغيّرات سريعة وقوية في الحالة الشعورية، قد تحدث خلال دقائق أو ساعات، وتشمل:

      • الانتقال المفاجئ من الفرح إلى الحزن

      • من الهدوء إلى الغضب

      • من الحب الشديد إلى الكره العميق

      • من الأمل إلى الفراغ واليأس

وهذا لا يعني أن المصاب “يتصنّع” أو “يبالغ”، بل أن جهازه العصبي العاطفي يستجيب بطريقة مبالغ فيها وغير مستقرة للمواقف والمثيرات.


كيف يشعر المصاب بهذه التقلبات؟

يصف بعض المصابين حالتهم كما يلي:

“أشعر وكأنني أعيش مشاعر الجميع مرة واحدة، ولكن بقوة مضاعفة.”
“ردودي العاطفية تسبق تفكيري، ثم أندم وألوم نفسي لاحقًا.”
“أحبك وأكرهك في نفس اللحظة… أخاف أن تتركني، فأدفعك بعيدًا بيدي.”

هذا التناقض المؤلم يجعل العلاقات مرهقة، ويُشعر الشخص وكأنه غريب حتى عن نفسه.


لماذا تحدث هذه التقلبات؟ (الأسباب النفسية والبيولوجية)

  1. خلل في تنظيم المشاعر
    الأشخاص المصابون بـBPD يفتقرون للآليات النفسية التي تساعد على تهدئة أنفسهم عند التوتر أو الغضب.

  2. حساسية مفرطة للمثيرات
    المواقف العاطفية (كلمة، نظرة، صمت مفاجئ) قد تفسر بشكل سلبي وتفجّر ردود فعل قوية.

  3. تجارب الطفولة
    مثل الإهمال العاطفي أو العلاقات غير الآمنة مع الوالدين، تؤدي إلى هشاشة في الشعور بالأمان والهوية.

  4. اختلافات بيولوجية
    تظهر الدراسات وجود نشاط غير طبيعي في مناطق الدماغ المرتبطة بالعاطفة، مثل اللوزة الدماغية (amygdala)، وقصور في المناطق التي تنظم ردود الفعل.


مظاهر التقلّب العاطفي

      • الغضب المفاجئ: دون سابق إنذار، وبشدة قد تُفزع الآخرين

      • نوبات بكاء شديدة بسبب مواقف بسيطة نسبيًا

      • الاندفاع العاطفي: قرارات حادة لحظية مثل قطع علاقة أو إيذاء النفس

      • الفراغ العاطفي: شعور داخلي بأن الشخص لا يشعر بأي شيء رغم الانفعالات الظاهرة

      • الخوف من الهجر: ردود فعل درامية تجاه أي مؤشر على الرفض أو الابتعاد


الفرق بين تقلّب المزاج الطبيعي والتقلّب في BPD

 

السمة الشخص العادي المصاب بـBPD
مدة الشعور دقائق إلى ساعات قليلة يمكن أن تتغيّر الحالة خلال دقائق متعددة يوميًا
شدة الشعور معتدلة ومفهومة حادة، جارفة، تخرج عن السيطرة
الأسباب واضحة ومباشرة غالبًا غير مفهومة أو مبالغ فيها
التأثير على العلاقات بسيط شديد وقد يؤدي إلى خسائر متكررة

كيف يمكن التعامل مع هذه التقلبات؟

1. التقبل قبل التغيير

أول خطوة للعلاج هي تقبل أن هذه المشاعر جزء من الحالة، وليست فشلًا شخصيًا.

2. العلاج السلوكي الجدلي (DBT)

هو العلاج الأكثر فعالية لتنظيم المشاعر وتعلّم مهارات الهدوء الذاتي والتفاعل الصحي مع الانفعالات.

3. مراقبة الأنماط الشخصية

كتابة اليوميات أو استخدام تطبيقات لتعقّب المشاعر يساعد الشخص على فهم المحفزات.

4. تعلّم مهارات التنظيم العاطفي

مثل: التنفس العميق، التأمل، التوقف قبل الرد، تغيير البيئة، استخدام الجليد أو الماء البارد كمحفز عصبي مهدّئ.

5. طلب الدعم العلاجي

أخصائي نفسي أو معالج DBT يمكنه العمل مع الشخص لبناء خطة مواجهة فعّالة.


ماذا عن الأسرة والمقربين؟

من المهم أن يفهم المحيطون أن الشخص لا يتحكم في تقلباته رغم أنها قد تبدو درامية أو مزعجة. المطلوب هو:

      • عدم الرد على الانفعالات بانفعالات مضادة

      • وضع حدود واضحة ولكن بحب

      • التشجيع على العلاج وعدم استخدام التهديد أو الرفض


هل يمكن التعافي؟

نعم. الدراسات أثبتت أن نسبة كبيرة من المصابين بـBPD يتحسنون بشكل كبير بعد العلاج النفسي، ويعيشون حياة مستقرة.
السر هو الاستمرار في العلاج، وتعلّم المهارات، والدعم الصحيح.


خاتمة

اضطراب الشخصية الحدية ليس حكمًا نهائيًا ولا وصمة، بل هو دعوة لفهم أعمق لما يحدث في أعماق النفس. التقلّبات العاطفية الحادة ليست ضعفًا، بل نتيجة ألم داخلي يستحق الاحتواء والفهم.

كل من يعاني من هذا الاضطراب يحمل في داخله قدرة هائلة على التحول… فقط يحتاج إلى خارطة طريق ويد تمتد نحوه لا تُبعده.

لا تعليق

اترك رد